الحديث مع الداعية الدكتور أحمد الكبيسي، فيه من الأنس بقدر ما فيه من المرونة والتشعب؛ فهو الأستاذ الجامعي الذي عشق البحث والقراءة والعمل الأكاديمي، وهو رب الأسرة المقبل على الحياة ببشاشة الشاكر لنعمة الله والعارف بفضله، وفي تجربته الإنسانية الثرية نجد طالب الأزهر والسياسي الثائر والشاعر المتمكن وعالم اللغة العربية الفخور بمعرفته الدقيقة بأسرار نحوها وفقهها.
ولد الكبيسي في العراق في مدينة كبيسة عام 1934 ونشأ في الفالوجة وحصل على شهاداته الجامعية من مصر ليعود إلى بلده الأم ويعمل أستاذا جامعيا في الموصل ويشارك أهلها محنتهم حيث كان من قادة المجتمع الموصلي في ثورة الشواف ثم عمل أستاذا في جامعة بغداد. وفي عام 1976 كان بين نخبة من الأساتذة انتدبوا لتأسيس جامعة الإمارات التي ترأس فيها قسم الدراسات الإسلامية وغادرها مع تخريج الدفعة الأولى منها، ليعود إلى بغداد رئيسا لقسم الشريعة في كلية القانون والسياسة ثم رئيسا لقسم الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية ببغداد ثم انتدبه الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ليكون عضوا في المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.
التقيناه لنسمع منه بعضا من تفاصيل حياته التي عاشها بحلوها ومرها ولنقف مع الدكتور الكبيسي على تجربة حياته التي يبدأ روايتها قائلا: (ولدت في مدينة كبيسة وهي مدينة قديمة فتحها خالد بن الوليد وكان أهلها نصارى قبل دخولهم الإسلام، وقد عشت فيها بداية طفولتي ثم انتقلنا إلى الفالوجة.
حيث درست في مدرستها الابتدائية ولم تكن فيها مدرسة ثانوية حكومية وإنما كانت فيها متوسطة التفيض الأهلية حيث تبلغ كلفة الدراسة فيها 30 دينارا وكان هذا المبلغ يومها هائلا لا يقدر حتى ميسوري الحال على تأمينه، فاضطررت للذهاب إلى المعهد الإسلامي في المدينة.
اختيارك لطلب العلم الشرعي حتى غدوت من العلماء البارزين، كيف كانت بداياته؟
لم يكن في بالي أن أكون رجل دين، لكن الدين كان بحيرة نسبح فيها في الفالوجة فهي تمثل قاعدة سنية في العراق كالنجف التي تمثل قاعدة شيعية، لذا كان الدين في كل مكان من حولي، لكني أعترف أن دخولي المعهد الإسلامي لم يكن خيارا لي.
يعرف عنك كتابة الشعر متى بدأ عندك هذا الاهتمام؟
ها وأحببتها حبا كبيرا، وتذوقتها كما تذوقت العلوم الإسلامية، ومن هذا المعهد لم يعد يرضيني أي نوع آخر من الدراسة، وحينئذ كنت قد بدأت بكتابة الشعر وقد وصلت في علم النحو إلى حد ليس بعده شيء فقد كنت أحفظ المتون كلها جانب كتاب الموسوعة النحوية وهو كتاب مغني اللبيب لابن هشام.
وقد صار اهتمامي بكتابة الشعر معززا بالمعرفة اللغوية، وحين قدمت إلى الإمارات عام 1976 مع مجموعة من الأساتذة العراقيين لتأسيس جامعة الإمارات وجدت استقبالا حافلا من أبناء الإمارات لقصائدي فقد كانوا يحفظونها وينسخونها وينشرونها بينهم، وكان يغلب على شعري الطابع السياسي إضافة إلى أغراض الشعر المعهودة.
اشعر من لبيد
ولماذا تركت الشعر وابتعدت عنه بعد أن أمسكت زمامه؟
الذي جعلني أتوقف عن الشعر أمران، أحدهما بيت من الشعر للإمام الشافعي وقد كان شاعرا فترك الشعر حيث قال:
ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد
والسبب الثاني أن الله سبحانه وتعالى سخر لي أن أحفظ القرآن، ولا يجتمع القرآن والشعر في صدر واحد، وهو أمر هيأ لي ترك الشعر قليلا إلا في المناسبات العزيزة على نفسي فإني أقول الشعر بلذة.
كنت قد درست في الأزهر، ما قصة اختيارك له لإكمال الدراسة؟
بعد خمس سنوات من الدراسة في المعهد الإسلامي في الفالوجة صادفني أمر جعلني أتخذ قرار السفر للدراسة، فقد كنت في أحد الأيام أصلي في المسجد وشاهدت رجلا غريبا عن المنطقة، ونحن نعرف الغريب عنا، فسلمت على الرجل واستضفته في بيتنا، وعرفت أن اسمه ساطع الجميلي، وتبين لي أن الرجل طالب في الأزهر فجلسنا وهو يحدثني عن الأزهر حتى ملأني شوقا إليه.
وصرت أحلم بالدراسة في الأزهر مع أني لم أخرج من حدود الفالوجة ولم أصل بغداد مطلقا، وحين كنت أتحدث عن حلمي هذا كان أهلي ينظرون إلي مشفقين لأنهم يرونه حلما مستحيلا، والغريب أن أمي هي الوحيدة التي شجعتني وأعطتني كل مدخراتها من المال وكانت حوالي ثلاثة عشر دينارا.
فأخذتها وذهبت إلى بغداد ومنها إلى دمشق ثم إلى بيروت ثم إلى الإسكندرية وكنت قد بلغت في ذلك الوقت سن السابعة عشرة، وقد يسر الله سبحانه وتعالى الرحلة بشكل عجيب فقد تعاطف معي الموظف وأكمل جميع أوراقي، وصادفت شخصا مسافرا إلى مصر من بغداد رافقني في الرحلة ووقاني شر التيه في البلدان الجديدة علي، وهكذا وصلت إلى الأزهر وقضيت أجمل أربع سنوات من عمري فيه.
اختلاط في الدراسة
متى كانت تلك الرحلة وكيف أمضيت سنواتها الأربع؟
سافرت عام 1952 حيث أكملت دراستي في مصر وحصلت على بكالوريوس من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر عام 1956، وقد انبهرت بمصر ومن كنت أقرأ لهم من أعلامها، فهي الأكثر تقدما بين البلدان العربية، وتعلمت اللغة الفرنسية في أحد المعاهد وكانت المرة الأولى في حياتي التي أدرس فيها بمكان مختلط، حيث كان ينظم المعهد رحلات للطلاب والطالبات لتعلم اللغة والتحاور بالفرنسية، وكنت كأي صعيدي يأتي إلى القاهرة وينبهر بكل شيء فيها، ولطالما أمضيت ساعات طويلة أتجول بين أحيائها القديمة وآثارها لأتلمس شيئا من تاريخ المدينة.
هل شهدت حرب السويس، وكيف كانت الأوضاع في ذلك الوقت؟
كنت في المرحلة الجامعية الثالثة حين اندلعت حرب السويس، فعاد معظم الطلبة غير المصريين إلى بلدانهم، لكني أصررت على البقاء والمشاركة في الحرب، حيث انضممت إلى الفيلق العربي الذي شكل في مصر للقتال في السويس، وفعلا كنا متحمسين للذهاب إلى الجبهة، وقد بدأنا التدريب على السلاح لكن الحرب انتهت قبل أن تسنح لنا فرصة المشاركة فيها، وكان أهلي قلقين جدا علي حتى وصلت إليهم بعد انتهاء الحرب فاستقبلوني استقبالا حافلا.
من المعروف أنك كنت من قادة المجتمع الموصلي ضد الشيوعية فهلا تحدثنا عن تلك المرحلة؟
عندما عدت من مصر إلى العراق عملت مدرسا في دار المعلمين في محافظة الموصل (نينوى) ، وخلال مدة تدريسي اندلعت ثورة الشواف ضد الشيوعيين، وشاركت فيها بفاعلية إذ كان شجب الممارسات الشيوعية أمرا مهما يحتاج إلى توعية المجتمع به وقد كنت مذيعا فعالا في هذه الثورة إلى أن انتهت حيث اعتقلت مع الثوار.
وبدأ الشيوعيون بإعدام الثوار كل سبعة على حدة، وفي الوقت الذي وصل إلينا دور الإعدام كان عبد الكريم قاسم قد أمر بوقف تلك المجازر في الساعة نفسها التي ركبنا فيها السيارة التي ستقلنا إلى ساحة الإعدام واسمها «الدملماجة» وهي أرض جبلية مقفرة خارج الموصل وتم اعتقال الشيوعيين المتسببين فيها، فنجونا من الموت بإرادة الله سبحانه وتعالى.
ونقلت إلى السجن المركزي في الموصل وبقيت فيه شهرين ثم نقلت إلى بغداد للمحاكمة في محكمة المهداوي الشهيرة ثم أطلق سراحنا بعد أحداث كركوك حيث قام الشيوعيون بقتل الناس في الشوارع فغضب عبد الكريم قاسم وأطلق سراح المناوئين للشيوعيين، وحين خرجت من السجن وجدت نفسي مفصولا من الوظيفة، لكني عدت إلى العمل مرة أخرى ونقلت إلى بغداد، وفي بغداد قطعت عملي وسافرت إلى مصر لإكمال دراسة الماجستير، بدأت بعدها التدريس الأكاديمي في بغداد، وسافرت مرة أخرى لإكمال الدكتوراه في الفقه الجنائي حيث عملت أستاذا في كلية القانون والسياسة في جامعة بغداد.
أكثر الاساتذة اناقة
هل كنت في ذلك الوقت ترتدي العباءة والعقال؟
لا، فحين سافرت إلى مصر وعدت إلى العراق صرت أرتدي البدلة الرجالية أي كنت (أفندي) كما يقولون باللهجة العراقية وكنت معروفا في الجامعة بأني الأستاذ الأكثر أناقة بين زملائي في الجامعة، لكن الدشداشة والعباءة العربية والعقال هو لباسي الأصلي فأنا رجل بدوي وحين كنت أرتدي البدلة بكامل الأناقة أشعر أني غريب فيها لأن البداوة لباس ولهجة وقيم، وأنا أعرف أن حسر الرأس مخل بالشخصية، فحين يرتدي المرء غطاء الرأس يكون ملتزما ووقورا فعدت إلى لباسي الأصلي، لأني أألفه أكثر من أي زي آخر.
يعرف عنك اهتمامك بالرياضة وخاصة أنك كرمت الفريق العراقي في دبي، فهل تمارس رياضة ما؟
ليس لدي رياضة خاصة أمارسها سوى المشي، وقد ذهبت قبل مدة مع زوجتي لصلاة العشاء في المسجد القريب من سكناي، وحين أتممنا صلاتنا وخرجت وجدت الشارع أمامي خاليا ومضاء وجميلا فقررت الركض فيه.
وقد نصحتني زوجتي بعدم الركض لكني ركضت، وأنا أرتدي الدشداشة والنعل وأسرعت، فبدأ نعلي ينزلق ولم أستطع التوقف حيث أعاقتني ثيابي فسقطت على وجهي وجرحت جبهتي ودخلت على أثر تلك السقطة إلى المستشفى لمدة أسبوعين تمت فيها خياطة الجروح وإعطائي وقتا للراحة بعد تعب الرياضة، أما الفريق العراقي فقد حاولت تقديم ما أقدر عليه من تكريم كونه قدم فرحة للعراقيين وهم في أمس الحاجة إليها، حيث شعرت بالعزة والفخار كون الفريق العراقي ـ ومن غير قصد ـ يحتوي جميع الأطياف العراقية بانسجام تام فهو نموذج جميل للعراقيين ووحدتهم معا، لذا كان يستحق التكريم والإشادة.
هل تعرضت للاعتقال في عهد صدام؟
نعم اعتقلت مرتين وكان الاعتقال الأول على أثر اعتقال الفريق الركن ثابت سلطان قائد الفيلق الخامس على ما أذكر حيث قام بمحاولة انقلابية، ويبدو أن التحقيق معه قد توصل إلى تفاصيل تلك المحاولة فوجدوا أسماء أعضاء حكومته فيما لو نجح، وتبين أن اسمي كان ضمن المجموعة ولما اعتقلت أثبت التحقيق أني لم أكن أعلم بالموضوع بل أني لم ألتق الفريق ثابت ولا مرة في حياتي، فأطلق سراحي.
أما الاعتقال الثاني فهو قريب من ظروف الاعتقال الأول حيث اعتقل ضابطان بعد محاولة انقلابية فاشلة، وكنت لا أعرف هذين الضابطين سوى أن رجلين زاراني في بيتي في بغداد وبيتي كان مفتوحا بشكل دائم لكل الناس من أصدقاء أو متخاصمين أو مستفتين أو غيرهم، ويبدو أن هذين الضابطين قد زاراني للتعرف أو للاختبار، ولم يخبراني بشيء بل أني لم أعرف من هما، وكما حدث في المرة الأولى ألقي القبض عليهما لأنهما كانا مراقبين وقد عرفت الأجهزة الأمنية بزيارتهما لي فاعتقلت ثم ثبت أن لا علاقة لي بالأمر .
الغناء والموسقى
قال الداعية الدكتور أحمد الكبيسي: كنت في الماضي أسمع الغناء العراقي القديم الذي يسمى المقامات وهو غناء ليست فيه محاذير كما هو موجود اليوم، وقد سمعت مرة أو مرتين هنا في الإمارات شيئا من هذا الغناء وأنا أقلب الإذاعة فأثار فيّ الحنين إلى الأيام التي كان فيها العراق مثل الإمارات بلد سلام وأمن، وقد ذهب العراق ولا أدري متى سيعود ولكنه سيعود بإذن الله.
أما ما نجده اليوم في الفضائيات من غناء ورقص يتنافى وتعاليم الإسلام، فهو من الأمور الموجودة في كل زمان ومكان؛ فالخير موجود والشر موجود ووجودهما واختلافهما يعطي الحياة قيمتها لأن الله سبحانه وتعالى خلق الناس مختلفين في الألسن والألوان والصور لذا فإن قيمة الحياة تكمن في وجود هذا الاختلاف الذي يبعد الملل ويضمن الاستمرار.
دلال جويد

