لا نكاد نحسب أن مسلسل جرائم الخادمات قد انتهى حتى يعاود الظهور مرة أخرى. فمنذ بداية شهر يوليو والعديد من جرائم الخادمات برز على السطح، بعضها يتشابه في التفاصيل كجريمة خلط البرياني بالزجاج المطحون انتقاما من أفراد الأسرة من الضغوط التي تمارس على الخادمات.
وكخلط الخادمة لبولها أو لدم دورتها الشهرية بالمشروبات المتناولة من قبل أفراد الأسرة، بحسب اعتقادات تعتنقها ونشأت عليها وهي أن ذلك الفعل يجعل أرباب عملها يتعلقون بها ولا يستغنون عن خدماتها، ما يوفر لها الطمأنينة والإحساس بالاستقرار الوظيفي.
ولعل التوقيت الذي تبرز فيه هذه الجرائم إلى السطح من الأمور الحاسمة. فزيادة عدد هذا النوع من الجرائم في شهر يوليو وفي فصل الصيف بالتحديد مرده إلى اضطراب الجدول اليومي لبعض الأسر في هذه الفترة. فبعض أفراد الأسرة يعتقدون أن من حقهم إيقاظ الخادمة من نومها في ساعات الفجر الأولى لتخدمهم. كما أن بعضهم لا يتوانى عن طلب حتى كوب الشاي من الخادمة.
وفي ظل هذا الجدول المتوتر والذي يستمر لما يقارب الثلاثة أشهر من كل عام، تعيش الخادمات ضغوطا أكبر وتوترات أشد من المعتاد في بقية أيام السنة عندما يكون الجدول اليومي للأسرة منتظما. وبما أنهن بشر يسري عليهن ما يسري على بقية البشر.
فإن لهن طاقات محددة، وقدرة تحمل محددة، وأحاسيس وانفعالات تختلف درجاتها بين بني البشر. كما أن العديد منهن قد تركن وراءهن عائلات تحوي أطفالا صغارا طمعا في حياة أفضل. ولا بد لنا أن نتذكر أننا كبشر لا نتصف بالكمال، وجميعنا يعاني من قصور حالات نفسية معينة، تنعكس في تعاملاتنا في جميع أوجه الحياة.
لذلك، ليس من المعقول أن نعاملهن كآلات تنفذ الأوامر في أي وقت دون تذمر، خاصة وأننا مسلمون، ومعلمنا الأول هو الرسول عليه الصلاة والسلام، الذي كان في تعاملاته يحترم العبد كاحترامه للحر، وربما أشد. فقد أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بلال الحبشي، المؤذن الخاص له، وأول من أذن في الإسلام - وهو عبد - أن يؤذن على سطح الكعبة لأول مرة، بالرغم من وجود العديد من الصحابة الأجلاء حول الرسول والذين بإمكانهم حمل شرف هذه المهمة، إلا أنه آثر أن يعطيها لبلال، العبد الأسود.
صحيح أن ما تمر به الخادمات من توترات وضغوطات لا تبرر جرائمهن المرتكبة ضد مخدوميهم، وأن الحل الأمثل هو أن يتواصلوا مع أربابهم للتعبير عما يعانون، إلا أنه لا يخفى على أحد منا أن الخادمات قد أتين من بيئات مختلفة غير التي حللن فيها، ومن ثقافات مختلفة تمام الاختلاف عن ثقافاتنا، كما أن مستوياتهن الثقافية قد لا تؤهل معظمهن للتفكير بطريقة منطقية.
كما لا بد لنا أن نتذكر أننا نترك أطفالنا رؤوس أموالنا بعهدتهم للاهتمام بهم وبطعامهم وشرابهم في أوقات غيابنا عنهم، وإن لم نكن نحمل في قلوبنا رحمة للخادمات، فلا بد لنا أن نحمل في قلوبنا رحمة لأطفالنا الذين نتركهم في عهدتهن.
