قد يرى البعض أن نقاش قضية كالتي نحن بصددها مسألة غير مجدية انطلاقاً من كونها قد أصبحت من الماضي، ولم تعد تشكل أي هاجس اجتماعي جراء تراجع معدلات حدوثها واقتصار ذلك على بعض المناطق المتخلفة، أو في الأوساط التي يتغلغل فيها الجهل وتردي المستوى التعليمي..

ولكن للأسف فإن واقع الحال يشير إلى أن هذه الظاهرة لم تتراجع معدلاتها كما يحلو للبعض القول، ولكن ما جرى أنها قد أخذت أشكالاً مختلفة تدخل في إطار المسكوت عنه كونها منتشرة بشكل كبير في صفوف المتعلمين الذين يرفع كثير منهم شعار«تزوجها صغيرة كي تكون قادراً على تربيتها على يديك». طبعاً يجب أن نرى الأمر في سياقه الصحيح حدوث حالات الزواج مع وجود فارق سن كبير كأن يتزوج شاب عمره 35 عاماً من صبية لا يتجاوز عمرها الخامسة عشرة من العمر، أو قيام أربعيني بالزواج من فتاة لم يتجاوز عمرها الثامنة عشرة.

كل هذا يدخل في إطار الزواج المرفوض الذي يخلق سلسلة من الإشكالات الاجتماعية التي قد تنتج جيلاً مشوهاً يرزح تحت وطأة العديد من المشاكل النفسية وفي هذا الإطار التقينا عدداً من الأشخاص كعينة عشوائية، رجالاً ونساء واستمعنا الى وجهات نظرهم حول هذا القضية «تأثيرات فارق السن الكبير بين الزوجين على الحياة الزوجية» ورأى شاهين محمد .. موظف..

أن فتيات كثيرات وخاصة صغيرات السن مازلن غير قادرات على اتخاذ القرار حول الخطوة الأهم بحياتهن، فأمور الزواج والموافقة على العريس ما زالت بيد ولي أمرها والذي قد يكون والدها أو أحد أشقائها ممن نصبوا أنفسهم أوصياء على مصلحتها.

فإذا كانت العائلة تعاني فقراً وعجزاً عن الإنفاق على البنت يعمدون عندها لتزويجها لأول شخص يدق الباب فإن كان أفقر عاشت في بؤس وإن كان غنياً عاشت بنعيم، طبعاً هنا لا يتم النظر مطلقاً لفارق السن بين ابنتهم والعريس، كما لا يقيمون وزناً لعمر العروس التي ما زالت تلج العالم الذي لا تعرف عنه شيئاً بأولى خطواتها مع زوج يمتلك خبرات واسعة على كافة الصعد، مشيراً إلى أن فارق السن والخبرة يظهران فور انتهاء مراسم الزواج والشروع في ممارسة طقوس الحياة اليومية لتبدأ المشاكل نتيجة عدم قدرة الزوجة( الطفلة) على مواكبة الزوج الخبير.

انفتاح اجتماعي

أيد جاسم الضاحي .. تاجر.. فكرة أن يقوم الرجل بالبحث عن فتاة صغيرة للزواج انطلاقاً من حالة الانفتاح الاجتماعي الكبير ما جعل إيجاد فتاة بدون تجارب سابقة فيها قدر من الصعوبة، والذي يمكن أن يجده الإنسان لدى شابة صغيرة مازالت في بداية حياتها.

وتقول نوال عيسى .. موظفة أن والدها قام بتزويجها من أحد الأقارب في السابعة والثلاثين من عمره، فيما لم يتجاوز عمرها الرابعة عشرة بعد، وتشير الى أنها بكت كثيراً يوم تقدم هذا الرجل لخطبتها لأنها كانت تحمل طموحات دراسية كبيرة ، ولم يجد ذلك وتم الزواج.

وأوضحت بأن الأيام اللاحقة أكدت بأن التعايش بينهما تحيط به صعوبات عديدة، مشيرة الى أنه لم يكن يسمح لها مطلقاً باتخاذ أي قرار في المنزل مهما كان صغيراً بحجة أنه الأكبر سناً فهو الذي لديه القدرة على فهم الأشياء، والأكثر خبرة وتجارب في الحياة والأقدر على محاكمة الأمور بمنطقية تفتقدها الزوجة الصغيرة.

لافتة الى أنه يعتبر قراره دائماً هو الأصح وعليها أن تقتنع به وتنفذه في الاتجاه الذي يريده ويفرضه، وإن خالفته الرأي ينعتها بالجهل وبالغباء. وتضيف نوال أن أكثر المشكلات التي حدثت كانت بسبب نظرته تجاهها وعدم اعترافه بثقافتها، وتقصّد إحراجها عندما تقوم بالمشاركة في الأحاديث خلال الزيارات العائلية التي يقومون بها، حيث كان يصدها أو يقاطعها أو يخالفها الرأي.

علاقة غير متكافئة

الدكتور عدنان محمد الأستاذ في علم الاجتماع أكد أن الفارق بين عمر الزوجين يجب ألا يتعدى العشر سنوات. وفي حال اتسع هذا الفارق إلى عشرين عاماً أو ما يزيد عن ذلك، فإن العلاقة الزوجية تكون غير متكافئة فتبدأ المشاكل في الظهور، مشيراً الى أن اتساع الفارق بين عمر الزوجين إلى ما يناهز العشر سنوات هو من الأمور غير المحبّذة، والتي تؤدي إلى وجود مناخ ملائم للخلافات. ففي الوقت الذي يتهيأ فيه الطرف الأصغر (الزوجة عادةً) للارتقاء في السلّم الوظيفي وممارسة حياته مفعماً بالنشاط والحيوية.

تعويض الحرمان الأبوي

أوضح الدكتور عدنان محمد الأستاذ في علم الاجتماع أن أهم الأسباب التي تؤدي إلى ارتباط المرأة بزوج متقدّم في العمر، تتمثّل في «عقدة افتقاد الأب»، وهي مشكلة نفسية تصيب المرأة التي فقدت والدها منذ الصغر، فتشعر بميل إلى الارتباط بمن هو في سنّ أبيها كنوع من التعويض للحرمان الأبوي الذي عانت منه في الطفولة.

لافتاً الى ان هناك العديد من العوامل الاجتماعية التي تضطر المرأة إلى قبول الاقتران بزوج متقدّم في العمر أبرزها أن تكون المرأة مطلّقة أو عاقراً فتقبل عادة بمن يكبرها بمراحل لشعورها بأنها غير مرغوب فيها، أو أن تكون فقيرةً أو قد تقبل أحياناً بأي زوج يتقدّم لها للإفلات من براثن العنوسة، بالإضافة إلى شهرة الزوج.

وحول العواقب التي تنتج عن ارتباط المرأة بزوج متقدّم في العمر،أشار الدكتور عدنان محمد الى إصابة المرأة بالاكتئاب النفسي الذي يحدث نتيجة المشاكل الزوجية المستمرة التي تواجهها في هذا النوع من الارتباط، كما قد تقع المرأة في براثن العلاقات المحرّمة وغير المشروعة لكي تجد مخرجاً من مشاكلها، وللتنفيس عن احتياجاتها غير المُشبعة، بالإضافة الى احتمال حدوث مشاكل اجتماعية بين المرأة وأهلها، خصوصاً إذا كان لهم دخل في إجبارها على الزواج من رجل متقدّم في العمر.

خالد اللوباني