تنبئ الصباحات بعلامات مكتوبة تنطقها الأحياء كروح الصخر، وامتداد الطريق وهسهسة الشجر ورفرفة الطير، وانبلاج الفجر. تمتد بنا العلامات حاملة التطلعات للآتي؛ آملة أن تشهد الأيام صحوة كالصبح.. كإشراق الشمس واضحاً لا يتوه دونه عقل ولا تحتار دونه الفكر.
فالوضوح وبساطة التكوين والتعليق حيث تتسق العبارة والمراد من التخاطب بالنيات الحسنة المحملة بالكثير. في زمن المتغيرات، والسعي نحو الأفضل، بذب المغالطات بعيدا عن روح المكان، وهدف التعاطي الممكن معه، مع متسع من الصفح عن الذات، مع الغوص حيث مكامن القوة في الدواخل لعطاءات أكثر جدية وأقدر على الالتصاق.
الرسائل التنويرية التي تبثها المناطق التراثية حولنا وخاصة تلك التي تأتي ضمن فعالية أو تمتد في العمق الساكن قلب جبل أو وادي، ومفادها بساطة الحوار، مع حيثيات المكان المرتبطة بزمان فائت، أساس التركيب المفاهيمي والتراكم المفضي لوضوح التخاطب بكل اللغات المكتوبة والمحسوسة، وخلاف ذلك من اللغات المبهمة ولغات الأحياء الأخرى، كالطير والريح والسكون.
ينبئ الحراك بهذه الأماكن البكر بشغب يراوغ فيه الماضي الحاضر، إصرار الرمل على البقاء فوق الحواف المشذبة، وفوق السطوح المصقولة، وعمق الروح الظمأى للإبحار إلى خلاصة السفر ومقاصد التجوال بين الماضي والحاضر، واستقراء المشاهد، بمد البصر إلى فضاءات لا تحدها مبان مصمتة وإنما شجر من لوز ونخل وسدر، نمر بين خضرة السعف..
ورق النخيل ورقة الأحلام. أدركنا أن التعاطي والاختلاط بالبشر ينبئ بعافية ووعي لزمن آخر، حيث يتنوع المشهد ويتسع ليحتوي ملامح البلاد (عيون الصقر، جباه صفر، وأنوف السيوف وملامح شقر) وحمرة وخليط وامتزاج وألسنة تفيد باضطراب ونسيج يكتمل فعبرة الختام تقال: استقرار الحال محال ولكن استقراءه ممكن.
الصور.. توثيق الماضي.. لتاريخ آت، استلهام يناوش الضجر، وصخب الزمان المعلن بثورة المعلومات والتقنيات وثورة الخبر، والتكنولوجيا وما فيها من ضرر، كل العلامات والدلالات على بقاء الصور مقلقة، فالشواهد الحاضرة صادمة من قسوة التطاول على الرمل، وعلى البناء وعلى الفضاء، تعيق البصر، وتحجب المشاهد والصور، تنتج مشاهد مركبة و(عجأة) و(زحامات) مستفزة.. منفرة!
كل ما حولي ينذر بخطر، فحديث الروح المنبعث من أزقة الحي في تلابيب القلب العازفة على أوتار المساء، وتراتيل الصباحات الداعية بطهر الندى على الشرفات توحي بأمر ما! أفلا أقلق على بقاء الصدق في حواري مع المكان؟ وأنا تغشاني ظلمة الجديد تحيلني لكائن جديد أتساءل إن كان يشبهني وهو مزيج من تناقض واختلاف! من من سيشاركني الطريق أول الصباح؟
ويرافقني للسواق ودكاكين العطارين؟ ومن سيعلمني؟ويعالجني؟ من سيسهم في دراسة تاريخي وينقب عن آثاري؟ من.. من سيخطط لثقافتنا وفق رؤيته ومعطيات الانفتاح العالمي؟ ومن سيمثلنا في المحافل؟ أهو ذلك الذي لا يشبهنا! وهل سنمثله في الداخل ونحن الذين لا نشبهه؟
هو إنه ذلك الذي يسكب قهوتنا؟ويشيد أبراجنا؟ ذلك الذي يعكرنا بالكثرة، ويزحم أرضنا! قريبا سوف نخدمه، ونعمل من أجل راحته.. غدا سوف نعمل ونمتثل لأمره وحده! فاليوم يشاركنا بل يزاحمنا الأرض والأجواء، لكن وروحه لا تذكرنا، ولاتشكرنا، وغدا سوف نذوب.. نذوب بلا حوار ويبقى وحده ذلك الآخر؟
عائشة مصبح العاجل