الدنيا غرائب، يقولها الإنسان البسيط، وهو يصدم بالحكايات المتواترة، المتنقلة من فم إلى آخر، وفي عالم المرئيات فإن كلمة الغرائب احتفظت بمدلولاتها، أي أن دهشة الإنسان إزاء المختلف على هذه الكرة الأرضية ما زالت باقية، مع أن الفضائيات والصحف ترمي لنا كل يوم بأخبار (عجيبة وغريبة) مبقية على جوانب التسلية في قراءتها.

من عجائب العالم وغرائبه والتي يفترض أنها أكثر من سبع خبر صغير نشرته إحدى الصحف يقول إن هناك مساعي لشطب اسم مانديلا من قائمة الإرهاب الأميركية، هذا الرجل التسعيني الذي أثبت للعالم نبله وإنسانيته، والذي ترك قضبان السجن (بعد علاقة حميمة معها نحو 28 عاما) ليكون رئيس دولة تعد من أهم دول القارة الإفريقية، وقال لسجانه الأبيض تعال لتكون نائبا للرئيس، لا يزال هذا المناضل الرائع ضمن لائحة الولايات المتحدة (الإرهابية).

وبعد أن عصف إعصار الجوع بمعظم دول العالم ظهرت الأرقام مخيفة، وعلى قدر كبير من التناقض، 40 بالمئة من سكان مصر تحت خط الفقر، ومن يرى اللون الأخضر في المحروسة يستحيل عليه تصديق وجود جائع فيها، السودان، سلة غذاء إفريقيا تعاني من الجوع، ودارفور التي تنام على أنهار من ماء يموت فيها البشر عطشاً وجوع إن سلموا من الموت بحراب الإخوة الأعداء، ألف شخص يموتون كل ساعة بسبب الجوع، أي 24 ألف كل يوم.

فيما تبحث عشرات الملايين في بلدان عديدة عن أفضل طريقة للتخسيس، وتعاني شعوب دول من انتشار ظاهرة السمنة فيها، وتمضي لغة الأرقام في حصد غرائبها، 61 بالمئة من سكان دولة الإمارات لا تكفيهم رواتبهم، مع وجود طفرة هائلة على مستوى الدخل، 20 بالمئة من سكان السعودية محسوبون على خط الفقر، أي خمس عدد السكان بالمملكة!!

ولأن الدنيا عامرة بالغرائب، يتحدث العالم العربي عن فقر معرفي وصناعي وتكنولوجي، لكن على امتداد خليجنا العامر بذهبه الأسود نعيش ثورة إسمنتية ترفع ناطحات السحاب، ربما أكثر مما يحدث في أي بلد متقدم، مجمعات سكنية، أبراج، مدن جديدة، إعلانات لا تتوقف عن عقارات تبنى وتباع قبل (الحشر بعشر) كأن ما ينقصنا هو المسكن فقط على اعتبار امتلاكنا جميع أدوات الحياة العصرية، مقتنعين أن نفطنا قادر أن يأتي بكل العقول في الدنيا وما أنجزته فورا، وقبل أن يرتد إلينا طرفنا، فلماذا نبني المصانع؟!

عادة تقوم المدن الصناعية، تتبعها مدن سكنية يهجع إليها أولئك العمال الذين ينتجون (أولا)، ولأننا في عصر غريب، ولأننا نعيش غرابة وصول النفط إلى أكثر من 140 دولاراً للبرميل الواحد لم نشهد الرفاهية المنتظرة من وضع كهذا..

خرجت لنا الولايات المتحدة وأوروبا لتقولا لنا إن نفطنا غال جدا، وإنه سبب الكوارث الاقتصادية التي تضرب العالم، فيما لم يسأل فينا أحد حين هوى النفط إلى أقل من 8 دولارات، منها 5 دولارات كلفة إنتاج. الأغرب أن أميركا وأوروبا أكثر الدول استفادة من نفطنا، ربما أكثر منا، فهي تستفيد من الضرائب الكبيرة التي تفرضها على مبيعات النفط ومشتقاته.

كما تستفيد الولايات (المنتجة للنفط في أميركا من ارتفاع الأسعار، من منطلق كهذا لا يعرف أحد إلى أين تتجه الأسعار، والمواطن في هذا العالم مشتت الذهن بين مخاوف إرهابية يجري تسويقها لمزيد من المكاسب، كما يجري تسويق الملايين من البشر سنويا ضحايا يفترسهم الجوع، ومخاوف نفطية يشعلها وقود قابل للنفاد، وفي كل الأحوال ندفع الثمن، دون أن نجد أياما أشد بياضا كالتي حلمنا بها لو وصل ذهبنا (الأسود) إلى مئة دولار.. وها هو يزيد عن المئة، لكن الدولار هبط، وتضخمنا زاد، والريال لا يكفي حتى لشراء دجاجة مثلجة.. ويا لغرائب الدنيا!!

محمد بن سيف الرحبي ـ سلطنة عمان