الحديث حول نظرة المجتمع للأرملة وزواجها مرة أخرى والملابسات المحيطة به يطول ولا تستطيع حلقة واحدة أن تغطي كافة جوانبه لأن علمي الاجتماع والنفس قد انقسما في هذا الصدد، وحتى المختصون في إطار كل علم منهما تباينت وجهات نظرهم في رؤية الموضوع، فمنهم من رأى أن زواج الأرملة ضروري ولا يحمل أي محاذير.
فيما اعتبر آخر أن الزواج ممكن ولكن لابد من مراعاة بعض الاعتبارات، في حين جاء اتجاه آخر ليرفض بالكامل هذا الزواج معتبراً إياه خالياً من أي قيمة ايجابية، وحده ديننا الإسلامي الحنيف كانت تعاليمه تحمل توجها واضحاً لا لبس فيه تجاه هذه المسألة.يقول الدكتور عدنان زعرور أستاذ علم النفس التطبيقي أن الأرملة تسهم بنفسها في بلورة نظرة المجتمع نحوها سلباً أو إيجاباً.
فإذا كانت وفية لزوجها، مكافحة مع أولادها، فإنها غالباً ما تلقى المساندة والتأييد، والتعاطف من قبل الآخرين لدعم رسالتها، واستكمال رحلتها في تربية أبنائها ورعايتهم والعكس صحيح، مشيراً إلى أن إقدامها على الزواج في إحدى محطات حياتها إذا كان سنها مناسباً، وبشروط مناسبة لن يلقى أي استهجان. ويضيف الدكتور زعرور أن الصورة الإيجابية التي تكونت عن الأرملة ستساعدها على الانخراط والتفاعل مع الآخرين بدلاً من الجلوس وحيدة تجتر الماضي وذكرياته.
أما نبيل فرج أستاذ مادة التربية الدينية في مدرسة المنفعة.. فيرى أن المجتمع يحمل للأرملة نظرة تعاطف وتراحم باعتبارها تعيش ظروفاً خاصة، وتحتاج للمساند، لافتاً إلى أن هذه النظرة الإيجابية قد تتغير بشكل ما إذا أقبلت الأرملة على الزواج مرة أخرى حيث سيعتبرها البعض جاحدة، وغير وفية لذكرى زوجها، أو غير حريصة على أبنائها.
على الرغم من أن هذا الزواج حق أجازه الشرع بعد انقضاء العدة، خاصة إذا ما كانت في مقتبل العمر، ولديها أطفال بحاجة إلى رعاية الأب، فلها أن تتزوج لكي تعف نفسها. وتكمل حياتها في ظل أسرة طبيعية، وعلى الزوج أن يكون رؤوفاً رحيماً بهم، وأن تكون لديه القدرة على التعامل معهم، بحيث يحل محل الأب في حياتهم.
ويؤكد فرج بأنه وعلى الرغم من مشروعية زواج الأرملة ، فإن الأفضل لها أن تعكف على تربية أبنائها وتحيطهم برعايتها، إذا ماكان ذلك في مصلحتهم، وكانت شروط زواجها لا توفر لهم شروط حياة مناسبة مستقرة.
فراغ عاطفي
يرى عامر رشيدات الأستاذ في جامعة الشارقة أن الزوجة تتعرض من الناحية النفسية لفراغ عاطفى، وهذا ما ينسحب على الأبناء نتيجة لغياب الزوج، وهنا تظهر حاجة المرأة إلى الزواج لتسد هذا الفراغ، مشيراً إلى أنه وعلى الأغلب تواجه المرأة حين ترغب في الزواج مشكلات نتيجة ضغوط المجتمع، والخوف على الأبناء، فتعيش في صراع بين حاجتها وخوفها على الأبناء.
وقد يتغلب حب الأبناء والخوف عليهم على رغبتها فى الزواج أو تتطور الصراعات داخلها إلى قلق وإحباط، واكتئاب، وينعكس ذلك كله على أبنائها، والمحيطين باعتبارهم السبب الذي يحول دون سعادتها.وأكد رشيدات على ضرورة قيام المجتمع بمساعدة المرأة على الزواج إذا رغبت في ذلك، حيث لا يعد ذلك نكراناً أو جحوداً للشريك الراحل.
وقال الأستاذ خالد سلام حاضر.. استاذ مادة التربية الدينية إن الإسلام بمراعاته الفطرة البشرية قد أحل زواج الأرملة، وكان القدوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذي تزوج من أرامل ومنهن أم سلمة، والتي عندما عرض عليها الرسول العظيم الخطبة قالت له ليس من أهلي أحد حاضر، فقال لها ليس من أهلك حاضر ولا غائب ينكر هذا الزواج، فقالت لابنها قم فزوج رسول الله.
وأضاف بأن القرآن أباح خطبة المعتدة أثناء العدة، ولكن بالتلميح والتعريض وليس التصريح، مشيراً إلى أن الزواج حصن للمرأة والرجل معاً، وإن كانت هناك تقاليد تنظر للأرملة التي تتزوج نظرة سيئة، فهي نظرة خاطئة، ولكن ينبغي أن تراعي الأم مصلحة أبنائها في اختيار الزوج، وأن يراعي الأبناء أيضاً والدتهم، ويحسنوا إليها إذا رغبت في الزواج في أي سن ولا يتهمونها بالسوء والجحود.
ورأت بشرى علي أستاذة علم النفس التربوي بأن سلسلة من الظروف والمعطيات منها المعاناة النفسية تحيط بالأرملة حيث إن موت الزوج يمثل صدمة مدمرة للزوجة خاصة إذا جاء مفاجئا. حيث تفقد الرغبة في الحياة أو الكلام فهي في مرحلة فقدان التوازن ثم تهدأ أحزانها شيئا فشيئا، فالأمومة والإحساس بالمسؤولية يعيدان تحريكها مجدداً وبعد فترة تعود إليها الابتسامة وقد تضحك أحيانا وتشارك الناس، وينتظم حالها ونومها.
إلا أنها لا تنفك تشعر بالفقد وفي هذه المرحلة تبدأ بتفهم وقبول وضعها الجديد، إذ عليها أن تشق طريقها في الحياة وحدها.وتضيف بأن الأرملة تقع أيضاً تحت وطأة ضغوط تربية الأولاد بتحولها إلى أم وأب في الوقت ذاته وهذا يحتاج الى مجهود عصبي كبير وخبرة اجتماعية عالية.
ودعت بشرى الأرملة إلى عدم التردد في قبول الزواج ممن يتقدم لخطبتها إذا توفرت فيه المواصفات المناسبة، مؤكدة على أهمية عدم وقوعها في فخ الخوف من صورة زوج الأم القاسي، أو الخوف من ملامة الناس وكلامهم، أو الإحساس بالخيانة لزوجها الراحل، لافتة إلى أن هذا الزواج قد يكون خير سند ومعين لها ولأولادها إذا ما أحسنت الاختيار.
خالد اللوباني
