استقبلت دور الرعاية الاجتماعية في الدولة خلال العام الماضي 775 نزيلاً حدثاً تصدرتها دار التربية الاجتماعية للفتيان بأبوظبي بواقع 555 نزيلاً ودار التربية الاجتماعية للفتيات بأبوظبي بواقع 71 نزيلة تلتها دار التربية الاجتماعية للفتيان بالشارقة 81 نزيلاً ودار التربية الاجتماعية للفتيان بالفجيرة 51 نزيلاً ودار التربية الاجتماعية للفتيات بالشارقة 17 نزيلة.

وعزا متخصصون تزايد جنح الأحداث إلى ازدياد العمالة الوافدة في الدولة والتغير الاجتماعي الذي واكب توسعها في فترة ما بعد النفط وتصنيعه، مؤكدين أن التنشئة السليمة لا تقتصر على الأسرة فحسب بل يساهم فيها أطراف متعددة كالمدرسة والمؤسسات الاجتماعية ووسائل الإعلام، محذرين من مغبة تقصير هذه الأطراف وبالتالي ارتفاع نسبة الانحراف والجنوح. وذكرت ماجدة السلمان الاختصاصية الاجتماعية بدار التربية الاجتماعية للفتيات بالشارقة أن الدار استقبلت العام الماضي 17 حالة وأغلب التهم تتصل بالقضايا الأخلاقية والتغيب عن المنزل وتسليم ولي أمر.

ومن وجهة نظر سلمان فإن ضعف الوازع الديني لدى الأسرة والتفكك الأسري نتيجة الطلاق والهجران وكثرة المشاجرات وتعدد الزوجات وقسوة معاملة الحدث بالإضافة إلى كبر سن الأب وتركز السلطة في يد أحد الوالدين والدور المهمش للأب وأصدقاء السوء والحالة الاقتصادية وضيق المنزل وتكدس أعداد كبيرة في الغرفة الواحدة، والدور السلبي لبعض وسائل الإعلام وبرامج تلفزيون الواقع كلها أسباب تؤدي إلى انحراف الحدث.

وتقترح سلمان أن يتم إعطاء مساحة حرية حوار بين الحدث وأهله، وغرس القيم الدينية والأخلاقية في نفوس الأبناء. وتعليمهم الطريقة الصحيحة لاستخدام الانترنت ومراقبة المواقع التي يرتادها الصغار مع منحهم الثقة وتوضيح الضرر الذي يمكن أن يتسبب فيه ارتيادهم لبعض المواقع، وأغلب الأحداث هم من عمر 15 إلى 16 سنة وهو السن الصعب للمراهقة.

وتوضح سلمان أن الخدمات التي تقدمها الدار تشمل رعاية الفتيات ومساعدتهن في إكمال دراستهن وتهيئة الظروف المواتية للتحصيل العلمي ولا تقتصر الرعاية في حال وجود الحدث داخل الدار بل هناك الرعاية اللاحقة وهي تشمل متابعة الفتاة بعد خروجها من الدار عن طريق الزيارات المنزلية المفاجئة للتأكد من معاملة الأهل وتأدية الفتاة واجباتها الدينية والدراسية على الوجه الأكمل.

ويرى الدكتور رعد الشاوي رئيس قسم الخدمة الاجتماعية أن الحاجة إلى دور رعاية للأحداث ينبغي أن تكون بناء على دراسة مسحية عن أعداد الأحداث الجانحين ونسبتهم في كل إمارة ونوعية الجرائم التي يقترفونها لكي يتم إنشاء تلك المراكز على أساس علمي وإلا ما الفائدة من وجود مراكز رعاية وأعداد الجانحين قليلة.

تفكك الأسر

ومن وجهة نظر الدكتور الشاوي فإن الأسرة المفككة تلعب دوراً كبيراً في انحراف الحدث لاسيما إذا كان الأبوان منفصلين أو رب البيت مسافراً ومسؤولية رعاية الأبناء وتربيتهم ملقاة على كاهل الأم وهي غير قادرة على ضبط الأولاد وتربيتهم، ولا يغفل الدكتور الشاوي دور أصدقاء السوء في انحراف الأحداث لتأثيرهم المباشر على بعضهم بعضاً.

وبحسب د. الشاوي فإنه تقع على وسائل الإعلام مسؤولية التوعية وتعزيز القيم العربية الأصيلة واستغلال طاقات الأبناء وتوجيهها واستغلالها بما هو مفيد من خلال الاشتراك في النوادي التعليمية والترفيهية.

أما الدكتور محمد رياض الخولي فيؤكد أن عوامل جنوح الأحداث في الإمارات تعود إلى انشغال رب الأسرة بالأعمال التجارية والابتعاد عن المنزل وفقدان الرقابة على الأولاد، إضافة إلى ازدياد عدد المتزوجين بأكثر من واحدة مع تفاوت السن في كثير من الأحيان وازدياد عدد المطلقات وحالات الهجر والشقاق إلى جانب العامل المادي المفاجئ لدى الناس من المواطنين والوافدين مما يحدث اضطراباً لدى بعض الأشخاص وانعكاس ذلك على الأحداث.

ولفت إلى أن انشغال الزوجة المطلقة أو الأرملة بالأعباء المنزلية والأسرية والإنفاق عليهم يؤدي لعدم انتباهها لسلوك الحدث. كما يزيد الوضع سوءاً ابتعاد المدرسة والعاملين بأجهزة التعليم عن ممارسة دورهم الرائد في تربية الحدث وعدم معرفة بعضهم بالخلفيات الاجتماعية والعادات السائدة في المجتمع وهروب وتسرب بعض الأحداث الطلبة من المدارس نتيجة عدم انضباطهم مع أنظمة المدرسة الإدارية والتعليمية وعدم تمكن المدرسة من معالجة المواقف بشيء من المرونة.

وقال إن الفراغ الذي يعانيه الأحداث نتيجة قلة الأندية وأماكن التفريغ المحصنة بالأخلاقيات خاصة أثناء العطلة الصيفية وانتشار وازدياد تعاطي المواد المخدرة والسامة والمسكرة التي دخل بعضها مع دخول العمالة الوافدة الأجنبية واختلاط الأحداث برفاق السوء وخاصة الأكبر سناً ومجاراتهم بسلوكهم المنحرف وتقليدهم إياهم تقليداً أعمى من أهم الأسباب التي تزيد من نسبة الأحداث الجانحين.

وعن سبل الوقاية من جنوح الأحداث في الدولة قال الخولي إن الأسرة تعتبر خط الوقاية الأول وعليها مراقبة الحدث وتوعيته بالأخطار المختلفة المحيطة عن طريق مراقبة البرامج التلفزيونية والإذاعية التي يستمع إليها ويراها وكيفية استخدامه للانترنت إضافة إلى مراقبة نشاطاته والأماكن التي يرتادها ومعرفة الرفاق والأصدقاء الذين يقضي معهم أوقات فراغه.

وشدد على أهمية الدور الذي تلعبه المدرسة في وقاية الحدث من الانحراف باعتبار المدرسين أكثر الناس قدرة على التنبؤ بخطورة الحدث المبكرة من تصرفاته اليومية مع أساتذته وزملائه في الصف أو المدرسة واتباع سبل تجنب ملامح الانحراف لديه منها رعاية الطلاب بالقدر الكافي وترغيبهم بالدراسة وتدعيم الخدمات الاجتماعية والنفسية بالمدارس لمكافحة تسرب الطلاب والامتناع عن ضربهم وإيذائهم بدنياً وعلنياً أمام رفاقهم فقد يتسبب ذلك بانعكاسات حادة في نفس الطالب اتجاه مدرسته ومعلميه فيترك المدرسة وينزلق بمهاوي الانحراف كما على المدرسة تعزيز وتأكيد الوازع الديني والأخلاقي وتعميق التربية البدنية والأخلاقية لدى الطالب.

وقاية الأحداث

وحدد الدكتور محمد رياض الخولي في ورقة عمل عن جنوح الأحداث في الدولة الدور المنوط بمؤسسات الدولة في وقاية الحدث من الجنوح أهمها تحسين الظروف العامة. وإزالة الفوارق الاجتماعية والمادية بين طبقات المجتمع ورفع المستوى المعيشي للفرد وتحقيق مبدأ إتاحة الفرص بينهم وتحسين الحالة الصحية والقضاء على البطالة خاصة بين الشباب أو الأحداث من الشبان الذين تسمح القوانين بممارستهم للعمل.

وتدعيم الأسرة ونشر الوعي الأسري والصحي بين المواطنين واشتراط الفحص الطبي قبل الزواج وجعل التعليم إلزامياً ومجانياً في جميع المراحل وذلك للدور التعليمي والتهذيبي والوقائي من الانحراف الذي تمارسه المدرسة والتوسع في إنشاء الملاعب والحدائق وأماكن التسلية والتشجيع على الرياضة وتنظيم العمالة الأجنبية واستبعاد الفاسد منها حيث أثبتت أنها المسؤولة عن أكثر الجرائم في الدولة ومراقبة وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها.

الاختصاصي النفسي أشرف العريان أكد من واقع خبرته ودراسته لنفسية العديد من الأحداث والصفات التي يمتازون بها أن السبب وراء انحراف هذه الفئة الغضة الفتية هو التفكك الأسري وغياب الاستقرار والروابط الاجتماعية التي نعرف دوما أنها الحصن الذي يحمي الأفراد ويؤمن لهم الراحة النفسية.

فالعائلة المتصدعة والمنهكة عاجزة عن القيام بمسؤولية تربية الأطفال خاصة فيما يتضمن تلبية احتياجاتهم ورغباتهم الأساسية التي تؤمن للطفل التوازن النفسي والقدرة على التفريق بين الصواب والخطأ وبالتالي عدم انصياعه وانقياده وراء رفاق السوء، مشيراً إلى أن غالبية الأحداث ممن يثيرون الإشكاليات ويخرقون القانون يكونون ضحية لواقع اجتماعي متفكك وتقع على عاتقنا كأفراد عاملين وأسر مسؤولية إنقاذهم وإعادة تأهيلهم ليعودوا أفراداً صالحين يخدمون المجتمع لا أن يكونوا أداة هدم له.

نورا الأمير، زاهر العلي