«.. بالنسبة لابنتي فإنها ستبقى دون زواج، وستكون كل حياتها لتربية ولدها» هذا ما قالته والدتي عقب وفاة زوج شقيقتي إثر سكتة قلبية، ولم يكن عمرها يتجاوز الـ 20 عاماً، فانتظرت أياماً قليلة وطلبت من والدتي ألا تكرر مثل هذا الكلام أمام شقيقتي، حتى لا تصاب بعقدة من تكرار تجربة الزواج الذي هو من حقها كونها مازالت في مقتبل العمر.

بهذه الكلمات افتتح فتحي عثمان حديثه إلينا في إطار التحقيق الصحافي حول ما إذا كانت الأرملة قد فقدت صلاحيتها وحقها في الحياة في مجتمعنا.

وأضاف بأنه كان يدرك عندما قال هذه الكلمات لوالدته صعوبة حصول شقيقته بوضعها الجديد على شروط مناسبة للزواج، ولكنه كان لا يريد أن يخنق رغبتها في الزواج مرة أخرى إذا ما اختارت هي ذلك بعيداً عن الزرع في منطقة اللاوعي لديها بأن مثل هذا القرار هو عار يجب تجنبه، وتعيش بالتالي حياتها متأرجحة بين رغبتها الحقيقية ومنطق العار الذي يفرضه الآخرون عليها.

ويشير عثمان إلى أن شقيقته تزوجت بعد مرور ثلاثة أعوام من شقيق زوجها المتوفى والذي كان قد انفصل عن زوجته لخلاف لا علاقة لشقيقته به، لافتاً إلى أن وضعها ليس جيداً ولكنه مرض على وجه الإجمال.

فكرة مستبعدة

أمينة محجوب (أرملة) قالت إنها لم تفكر في الزواج عقب وفاة زوجها؛ لأنه وفي مثل حالتها كان لا بد أن تختار بين رغبتها وبين أطفالها فاختارت أطفالها.

وتؤكد بأن هذا الخيار ليس سهلاً بالتأكيد لأنه يحمل معاناة كبيرة، ويحملها مسؤولية القيام بدورين .. الأب .. والأم، مضيفة بأنها عمدت الى دفن نفسها في العمل من أجل تحقيق هدفين .. اولهما توفير متطلبات الأبناء الذين لا تكفيهم مدخرات والدهم وراتبه التقاعدي، والثاني محاولة قتل حالة الفراغ لديها.

ويرى خليفة صابر.. (تاجر) أن زواج الأم بعد وفاة زوجها يخفف من متاعب الحياة بالنسبة لها فيما يؤثر سلباً على أولادها، لأنه في معظم الحالات يطلب الزوج من الأم أن تترك أولادها لمن يرعاهم كالجدة فيفقد الطفل حنان الأم بعد أن فقد حنان الأب.

وفي الحالات التي يبقى الأطفال فيها مع أمهم يكون تعامل الزوج معهم قاسياً لأن عقل الرجل يغلب على عاطفته فيؤثر ذلك على حالتهم النفسية ما قد يؤدي إلى نشوب خلافات بين الزوجين قد تكون نتيجتها الطلاق.

ويقول حامد الشليان (موظف) بأنه مع زواج الأم إذا لم يكن هناك من يعيلها ويعيل أولادها خاصة إذا كانت غير عاملة، ولا يوجد دخل أو راتب لزوجها المتوفى يكفي التزامات الأسرة، لافتاً إلى أنه يفضل عدم زواجها إذا كان أولادها كبارا ويستطيعون الاعتماد على أنفسهم .

وقالت صبحية أحمد موظفة.. بأنها تزوجت في سن مبكرة وكان نصيبها أن تصبح أرملة في سن مبكرة أيضاً، حيث لم يكن يتجاوز سنها الثانية والعشرين.

وأشارت الى أن الجميع كان يتعامل معها بدوافع محددة لا تتجاوز الشفقة في أحسن الأحوال والطمع بها في غالب الأحيان، انطلاقاً من كونها فرصة سهلة الاقتناص، لافتة الى أن تجربتها كأرملة والتي بلغت العامين تؤكد لها بأن حصولها على شروط زواج مرضية تنسجم مع الحدود الدنيا لقناعاتها أمر صعب للغاية، لذلك فهي غير معنية في الوقت الحاضر بالزواج وإذا تحول ذات يوم الى ضرورة فإنها ستقبل بما هو كائن.

إيجابيات وسلبيات

وأشارت كريمة كنعان أرملة .. إلى أن زواج الأم بعد وفاة زوجها له وجهان.. إيجابي وسلبي، فإيجابياته أنه يحقق الاستقرار العاطفي للمرأة ويوفر لها المساندة المادية والمساعدة بالقيام بواجبات المنزل داخله وخارجه، وأما سلبياته فتكون من خلال نظرة الأولاد للرجل الذي حل مكان أبيهم وعدم التعامل بمساواة من قبل زوج الأم بين الأبناء بعد إنجاب أطفال منه.

وتؤكد سيرين محمود الأخصائية الاجتماعية النفسية، أن الأرامل يعانين من مشاكل اجتماعية عدة أبرزها نظرة المجتمع إليهن، وحكمه بالإعدام الاجتماعي عليهن؛ حيث يسلبهن حقوقهن التي ضمنتها لهن الشريعة الإسلامية، خاصة مسألة الزواج بعد وفاة الزوج، فلا يقتصر تجاهل المجتمع لدعم الأرملة دعمًا وجدانيًّا واجتماعيًّا لانتشالهن من أحزانهن.

بل يصدر حكمه بالإعدام الاجتماعي دون مراعاة ما للأرملة من حاجات نفسية وجسدية، خاصة إذا كانت في مقتبل العمر؛ حيث تنهشها الوحدة والفراغ القاتل، فإذا ما فكرت في الزواج بعد وفاة زوجها فلا يتردد المجتمع في اتهامها بنكران الجميل للزوج الأول وعدم مراعاتها مشاعر أهله وأبنائه والسعي وراء مصالحها الشخصية على حساب مستقبل أبنائها.

ورأى الأخصائي النفسي عدنان داود أن زواج الأم بعد وفاة الأب خطوة غير صحيحة بحق أسرة تعيش مع هذه الأم التي تملك العاطفة والحنان والتضحية لأجل تربية أولادها التربية الصالحة، لافتاً إلى أن احتمالات عدم تقبل الأولاد لزوج والدتهم الذي حل محل والدهم المتوفى ما سيترتب على ذلك نتائج سلبية يعطي الأولاد إحساساً بالوحدة والشعور بالتعاسة وبأنانية والدتهم التي يجب أن تظل ترعاهم وتهتم بشؤونهم دون وجود ذلك شريك لهم.

وأضاف بأن هذه المشاعر سوف تتأجج وتصل إلى ذروتها في سن المراهقة ووصول الأولاد إلى مرحلة الشباب وحاجتهم بالفعل إلى الحوار والمناقشة وحاجة المراهق إلى إثبات ذاته وشخصيته التي تتكون ورجولته التي بدأت تظهر والصراعات التي تحصل في أي أسرة يكون فيها التفاهم معدوماً وخاصة إذا لم يتقبل هذا المراهق نصائح وإرشادات هذا الزوج الدخيل وهنا سوف تزداد هذه المشكلات.

ولفت داود إلى أن الأمور ستتعقد إذا ما أنجبت الأم أولاداً جدداً من هذا الزوج فلن يحملوا لهم إلا مشاعر الحقد والكراهية والغيرة.

خالد اللوباني