يعكس العمل في قطاع السياحة البعد الثقافي والحضاري لأي دولة تجتذب سنوياً أعداداً هائلة من السياح العرب والأجانب، فابن البلد هو واجهتها بكل ما يحمل من تفاصيل.

وهو بلا شك الأقدر على ترك بصمة حقيقية وانطباع أقرب إلى الواقع لدى الزوار والسياح، والجهود المبذولة على أرض الواقع برغم كونها خجولة إلا أنها تسير ولو ببطء نحو تفعيل دور التوطين في إنعاش التوطين في قطاع السياحة والضيافة، فآراء القطاعين الخاص والحكومي تشير إلى جدية الجهود والبرامج المطروحة رغم قلة أعداد المقبلين من المواطنين.

وفي محاولة لتوطين مهنة المرشد السياحي شرعت دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي بطرح برامج دبلوم للمرشدين السياحيين في محاولة لاستقطاب الكفاءات.

من الشباب والشابات المواطنات من خلال إلحاقهم بدورات تدريبية مكثفة في مجال السياحة، إبراهيم ياقوت مدير الموارد البشرية بدائرة السياحة والتسويق التجاري أكد أن بادرة دبلوم المرشد السياحي تأتي بهدف توطين المهنة، حيث بلغ عدد الملتحقين ببرنامج الدبلوم 90 بينهم 4 فتيات، ويوفر البرنامج فرصة الالتحاق للراغبين في ممارسة المهنة في إطار أكاديمي، ويتم ذلك بالتنسيق مع الشركات السياحية الكبيرة التي أبدت تجاوباً مع البرنامج.

واعتبر ياقوت أن البيئة الطاردة هي أبرز التحديات التي تواجه المواطنين في قطاع السياحة، فساعات العمل الطويلة وإتقان مهارات اللغة الإنجليزية تشكلان تحدياً للعديد من الشباب، إلى جانب كون المزايا المادية قليلة مقارنة بوظائف القطاعات الأخرى، كما أن الفكرة لم تحظ بتسويق كاف في الدائرة لتحقق صدى أكبر، في ظل منافسة القطاعات الأخرى مثل البنوك والعقارات التي تحظى بمزايا أكثر، وساعات عمل محددة،.

وبالرغم من صعوبات المهنة، إلا أنها تعد واحدة من أهم الوظائف التي يجب أن يشغلها المواطنون، كونها تعلق بالثقافة الإماراتية وتاريخها والمواقع الأثرية، كما أن للمرشد السياحي الإماراتي وقع مختلف على السائح باعتباره واجهة حقيقية للبلد، بكامل تفاصيله.

دور «تنمية»

على الجانب الآخر تبنت هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية «تنمية» مشروع توطين المرشد السياحي، وأشارت نورة البدور مديرة مركز التوظيف وتنمية المهارات بالهيئة إلى تبني برنامج خاص بتوطين المهن في قطاعي السياحة والضيافة بالتعاون مع دائرة السياحة والترويج التجاري من خلال أكاديمية للضيافة، بدأت في 2006 وتخرج فيها 50 طالباً مواطناً مؤهلين للعمل في هذا القطاع.

وأكدت البدور أن الدولة تشهد نمواً كبير في عدد المشروعات السياحية الفندقية وبناء على ذلك أطلقت الهيئة مشروع المرشد السياحي، بحيث تتولى كلية الأفق تدريب الملتحقين بالتعاون والتنسيق مع دوائر السياحة المحلية في الدولة، ويستوعب المشروع في خطوته الأولى 20 دارساً تم اختبارهم وتقييم مستوياتهم وسيتم بناءً على ذلك اختيار المرشحين الأفضل من بينهم.

واعتبرت أن أهمية توطين مهنة المرشد السياحي تكمن في كون أبناء الوطن أقدر على تقديم المعلومات الإرشادية للزوار والسياح القادمين إلى الدولة، وبالتالي فإن توطين مهنة مثل الإرشاد السياحي أمر حتمي، إلى جانب أنه يترك الانطباع العام لدى السائح عن الرحلة والبلد الذي يزوره.

ورغم أهمية هذه المهنة إلا إن البيانات تشير إلى ضآلة إسهام المواطنين فيها رغم توفر متطلبات شغلها لدى الكثير منهم.

وأشارت إلى أن معدلات التطور والنمو في المدخول والمنتج السياحي تزداد عاماً بعد آخر، حيث أضحت الدولة واحدة من أبرز نقاط الاستقطاب السياحي على المستوى العالمي، وتسهم السياحة بـ 10 % من الناتج المحلي الإجمالي للدولة.

دعم القطاع الخاص

وللقطاع الخاص أيضاَ دور محوري في عملية توطين المهن في قطاع السياحة والضيافة، حيث أوضح ناصر سعيد لوتاه، المدير التنفيذي لمجموعة فنادق الجوهرة وعضو مجلس إدارة مجموعة س. س. لوتاه أن المجموعة .

ومن خلال جميع مشاريعها مثل كلية دبي الطبية وكلية الصيدلة والمعهد التطبيقي الذي يوفر 35 تخصصاً من بينها السياحة والفندقة، تسعى للتوطين في مختلف المجالات، لتلبية احتياجات المجموعة من الكوادر الوطنية، وتوظيف مهارات العنصر الوطني في قطاع مهم كالسياحة.

وأضاف أن المجموعة تسعى لاستقطاب المواطنين من الجنسين ونقدم برامج تدريبية وتأهيلية تساعدهم على النجاح والتميز في هذا المجال الحيوي الهام، وقد لوحظ مؤخراً تزايد أعداد العاملين في هذا القطاع لإدراكهم دور المواطن في شغل وظائف مهمة في قطاع الضيافة والسياحة على وجه الخصوص.

ولعل أبرز التحديات التي تحد من توجه المواطنين إلى القطاع، هي نظرة المجتمع وثقافة الأسر الإماراتية والجدل القائم حول سمعة الفنادق وطبيعة الوظائف التي توفرها، ولكن تحاول المجموعة تجاوز هذه النظرة من خلال توفير بيئة جاذبة للموظفين.

في جو يحافظ على العادات التقاليد خصوصاً فيما يتعلق بمسألة الاختلاط، والتركيز على جودة العمل ونوعيته من خلال موظفين أكفاء، وللإعلام دور جوهري في تغيير النظرة السائدة عن عمل المواطنين في قطاع السياحة والضيافة كونه يتمتع بدخل مادي يُعد من بين الأعلى بين كافة القطاعات الأخرى.

أهمية التوطين

أما أهمية التوطين في هذا القطاع فتكمن في أن المواطن هو الأكثر قدرة على التميز في قطاع الضيافة والسياحة بما يمتلكه من ثقافة ومقومات يستطيع من خلالها إبراز الضيافة الإماراتية بالصورة التي ينبغي فبالرغم من أن الإمارات بلد متعدد الثقافات إلا أن الزائر دائما ما يتوق إلى معرفة المزيد عن البلد التي يزورها من خلال أبنائه وقطاع الضيافة والسياحة يستطيع توفير ما يرنو إليه الشباب من الجنسين من تفاعل مباشر .

كما أكد أنه عند طرح قضية هامة مثل قضية التوطين يجب أن يتم النظر لها برؤية شاملة يراعى فيها المكانة الاقتصادية العالمية التي وصلت إليها الشركات الوطنية والتنافسية الشديدة بينها وبين الشركات الدولية في المحافظة على الاستثمارات والتوسع في كافة الأسواق ومتطلبات هذه المرحلة.

فأبناء الدولة ذوو كفاءة عالية حينما تعطى لهم الفرصة وهذا جلي في النماذج المشرفة التي أصبحت خير سفير للإمارات محليا وعالمياً فإن الإمكانيات والكفاءات البشرية موجودة ولكن توجيه هذه الإمكانيات بشكل مؤسسي مدروس هو ما يُفتقد حالياً.

واعتبر لوتاه أن الإسهام في توفير فرص التعليم هو الإسهام الحقيقي المستدام في مجال التوطين كما أن المجموعة ومن خلال معهد لوتاه التقني تعمل على تدريب وتأهيل المواطنين في مجالات حرفية متعددة بما يخدم تنوع الاقتصاد الوطني تحت شعار (علم-عمل-إنتاج).

كما رأى أن قطاع التوطين في الدولة يعاني من معوقين الأول يكمن في أن الخريجين من الشباب وبالأخص حديثي التخرج قليل الخبرة يفتقدون إلى فهم طبيعة السوق وأدواته لذا تكون معظم قراراته في مجال الوظائف قصيرة المدى فقبول الوظيفة من وجهة نظره تعتمد على الراتب والمكانة الوظيفية وساعات العمل وعدد من الأمور الأخرى ذات الأهمية.

ولكنها ليست بأولوية خاصة في بداية الحياة الوظيفية وهذا ما لا يستطيع استيعابه نسبة كبيرة من الشباب، النقطة الثانية هي التوازن بين مرتبات الموظفين وإسهامهم الحقيقي في العمل فالاقتصاد العالمي يقيم سوق العمل بهذه الطريقة وحتى لا تظهر بوادر البطالة المقنعة ذات الأثر السيئ على الشباب وطموحاته في المرتبة الأولى وعلى الاقتصاد الوطني بصفة عامة.

نظرة المجتمع

للشباب العاملين في هذا القطاع رأي آخر، عبدالله علي البلوشي مواطن تخرج في كلية التقنية بالفجيرة وحصل على دبلوم في إدارة الأعمال، عمل في أحد الفنادق بمدينة خورفكان خلال فترة التدريب الميداني، استمر بعدها في العمل كموظف استقبال في الفندق ذاته، يرى أن تجربة العمل في قطاع السياحة والضيافة بالنسبة للمواطنين تعد تحدياً لما تتطلبه من مهارات والتزام، فساعات العمل طويلة، وقد تمتد إلى أوقات متأخرة من الليل، والمقابل المادي قليل مقارنةً بالعمل في قطاعات أخرى لا تتطلب جهداً كبيراً.

واعتبر عبدالله أن هناك نظرة ظالمة يواجه بها العمل في هذا القطاع سببها الفئة التي تسيطر على المنشآت الفندقية والشركات السياحية وهم من الأجانب، والسياحة في مفهومهم هي سهر ومشروبات كحولية وأماكن لا تتعلق بأهم مبادئ الثقافة السياحية، لذا فهي لا تتناسب في معظمها مع نظرة مجتمعنا لتلك المهن.

وملاك الشركات السياحية والفنادق مسؤولون عن بيئة العمل وما يحدث فيها من تجاوزات تعطي نظرة خاطئة عن العمل في هذا القطاع، وبالتالي فإن المواطن يتعرض لضغوطات تجعله يتجه إلى وظائف أخرى.

أمل الفلاسي