يبدو الطريق إلى منطقة أم عرج إحدى مناطق جنوب رأس الخيمة مفروشا بأشجار السمر، فالمنطقة التي توحي بحياة البداوة كانت مشتى لسكانها ومكانا للرعي حيث الكلأ والعشب والأرض المفتوحة على الأفق.
وهي تبوح بأسرار أرضها لأبنائها ممن يبحثون في جوفها عن الماء فتقدم لهم ما هو أكثر من ذلك، فتارة شجرة تختبئ بين طيات بئر، وأخرى مياه يستشفي بها الناس ويستعينون بها على الأمراض الجلدية.
وهكذا فإن أم عرج تتجاوز كونها قرية صغيرة نائية لتكون أفقا مفتوحا لأبنائنا وبيتا كريما لضيوفها.المنطقة لا يعرف عنها الكثيرون سوى أنها قريبة من منطقة أذن وهي جبلية معروفة ببساتينها ونخيلها وجمالها الطبيعيوالعابر إلى منطقة الغيل باتجاه أذن يجد أن أم عرج تقع في الجهة المقابلة لأذن، لتشكل طبيعة أخرى، فهي صحراء تنمو فيها أشجار السمر والأشخر بشكل طبيعي فتتشكل لوحة جميلة للأشجار التي شذبتها مواشي المنطقة.
ويروي أحد قصاصي الأثر أنك إذا أردت أن تتأكد من وجود ماشية في منطقة معينة ما عليك سوى النظر إلى أشجارها إذا كانت مشذبة أم لا.وكانت لافتة الطريق تشير إلى منطقة أم عرج والساعدي وإلى عبدالله الخاطري الذي استقبلنا بحضور والدته أم راشد، كان السؤال الأول الذي يتبادر إلى الأذهان حول سبب تسمية المنطقة أم عرج.
وبادرت أم راشد بالاجابة عن استفسارنا: «هذا الاسم قديم للمنطقة وهو نسبة إلى طوي (بئر) تسمى أم عرج، وكان الناس يحفرون الآبار بوسائل بدائية وأحيانا بأيديهم، لذا وجدوا عرق شجرة أو جذر شجر في باطن الأرض أثناء حفر البئر، فأكملوا الحفر وتركوا الجذر في البئر لينمو وسموها أم عرج.وأشارت إلى أن التسمية بقيت حتى يومنا هذا، لكن البئر اندثرت منذ سنوات عدة.
وقد شاهدتها بنفسها عندما كنت طفلة، وكانت تلك المنطقة غير مسكونة فمساكن الناس القديمة في الجبجوب أو الكبكوب وهي منطقة قريبة جداً من أم عرج كانت مرابع لقبيلة الخواطر يقيمون فيها في الشتاء والربيع. وسميت الكبكوب بهذا الاسم بسبب انتقال الرمال مع هبوب الرياح لتكون على شكل كبكوب أو عراقيب متحركة حسب حركة الهواء».
وتعقب أم راشد على كلام ابنها: «كان الناس شيمتهم الصبر والكرم والشجاعة، وكان شيخ القبيلة المرحوم سيف بن على الخاطري من الرجال الأشداء، وهذه المنطقة كلها تسمى الجري وكما قلت فإن الحياة البدوية في الماضي حياة تعتمد على القوة والشجاعة وعلى قوانين القبيلة التي تحمي الناس وتعرفهم بحقوقهم وواجباتهم».
وتعدد أم راشد أسماء المناطق الموجودة حول أم عرج موضحة أن «معظم المناطق سميت على أسماء الآبار في المنطقة لأهمية الماء في حياتهم مثل منطقة الجاهلي والساعدي، كما كان الناس يستدلون على الأماكن بإطلاق أسماء على الأشجار وعلى بعض الصخور أو التلال فهناك «غافات مينو» و«سمرات السيال» و«تلة أم حمد» و«ركبة المطلاع» و«الليمة» التي تعني الالتواء في الوادي، ولا تزال بعض تلك المسميات تستخدم حتى اليوم».
وتشير أم راشد إلى أن «الشعبية بنيت منذ عام 1998 وفيها حوالي أربعين بيتا إضافة إلى حوالي 15 بيتا تحت الإنشاء وبعض تلك المنازل بناها السكان بأنفسهم، لكننا اليوم نعاني من غبار الكسارات فمنطقتنا ومنطقة أذن مغبرة بشكل دائم، تضرر الأطفال بشكل كبير، فكثير منهم يعاني من الربو والحساسية، والسبب أن بعض الكسارات لا تتبع القواعد السليمة التي يفرضها القانون للحد من الغبار وتلوث الهواء».
وتضيف «هناك نباتات طبيعية معروفة في المنطقة مثل أشجار السمر والرمث والثمام والاشخر والسبط والسدر، معرفة عن خوفها أن كثيرا من الأشجار بدأت تختفي بسبب الغبار وشح المياه، مع أنها موجودة منذ سنوات طويلة وكان الحلال يتغذى منها ويستخدم الناس بعضها الناس في العلاج مثل الرمث الذي يستخدم في علاج الزكام.
والسدر في علاجات الجلد والشعر وفي المنطقة خيرات كثيرة، فقبل مدة تم حفر بئر في مزرعة أحمد بن سلطان الخاطري ووجد أن مياهه تعالج كثير من الأمراض الجلدية وصار الناس يذهبون إليها للعلاج والاغتسال، وتم بناء أماكن مخصصة للنساء وأخرى للرجال ليستطيع الناس الاستفادة بشكل مريح من تلك المياه».وبانتهاء كلام أم راشد عن المنطقة، يبقى في الذهن سؤال: كم من القرى الصغيرة تختزن الحكايات ولا نعرف عنها شيئاً؟
ضيلفة
ي قال عبدالله الخاطري «إن سكان المنطقة أهل بداوة كانوا يعيشون في خيام الشعر ويمارسون الحرف البدوية المعروفة مثل الرعي وجمع الحطب وصناعة الفحم «الصخام» الذي يباع في مناطق الساحل في رأس الخيمة والشارقة ويشترون بثمنه ما يحتاجون من عيش وقهوة ومواد أخرى.
وكان التنقل وفقاً لما ذكره الخاطري حسب المواسم موجوداً فهم في الصيف يقيظون في أذن والذيد حيث كان كثير منهم يمتلك بساتين النخل في تلك المناطق، لذا ينتقلون إليها هرباً من حرارة الصيف ويوافقون موسم الرطب الذي يكون موسم خير للجميع.
وكانت المناطق مفتوحة وأبواب الضيافة مشرعة، وكان العيش بتكاتف أهم ما يميز الحياة في الماضي إضافة إلى الكرم البدوي المعروف فلو أن الرجل لا يمتلك عشاء لأطفاله لابد أن يكرم الضيف ويقدم له ما يليق به من ضيافة».
دلال جويد
