*يحفر.. يحفر.. يحفر، يضعه ببطء الليالي الحزينة، يقبله القبلة الأخيرة فتترك أثر شفتيه على جبينه، يلفه بالوداع الأخير وداعاً لا لقاء بعده، يتركه وحده في غرفة المبيت إلى يوم النشور، يردم الأمل، يردم الفرح، يردم السرور يردم الذكريات، يردم التطلعات، يردم... يردم... يردم، ليأتي ردم روحه قبل وضع الحجر الذي أكد أن مهند فارق نفسه.
* ماذا الآن؟.. وماذا بعد الآن؟.. هل هذه حقيقة؟ هل هذا خيال؟.... يلتفت حوله... يجد الليل بردائه الأسود هادئاً ساكناً.. يجد القمر باعثاً الخيوط البيضاء نفسها.. ما فوقه سواد السحاب.. ما تحته سكون التراب.. ما حوله قبور صامتة.. كل شيء نفسه لم يتغير، لكنه ليس معه بل تحته.
* آه... آه.. آه.. ولماذا الآه؟ لو ردته لما قلت إلا الآه.. لماذا يا دنيا؟... لماذا يا دنيا؟.. ثم يصرخ بصوت رج السكون وهز الأرجاء.. لماذا يا دنيا؟... لم يكن يتنفس ولم يكن يموت... لم يكن جاهل ولم يكن يدري.. يعود للصراخ.. لماذا فعلت ما فعلت بي؟.. هل يجب أن أتحمل غدرك كله؟.. كله أتحمله أنا؟.. لماذا أخذته وتركتيني أنا؟.. وما نفع الحياة من دونه؟.. هل يجب أن أتعذب؟.. هل يجب أن أموت في اللحظة مرات ومرات؟.
* يا أخي.. أرجوك استيقظ.. خذ روحي واستيقظ.. ما أنا بعدك يا أخي؟.. ماذا أقول لأمك لو سألتني عنك؟.. لا أستطيع أن أجيب، لا أستطيع أن أرد، أأقول لها تركته يموت؟ أم أقول فرطت فيه بعدك يا أمي؟... لن تسامحني أمي فاستيقظ... لن تغفر لي أمي فاستيقظ.. أنت أملي فاستيقظ.. أعيش من أجلك.. وتتركني وتذهب.. فلماذا أعيش؟.. نعم تركتني وذهبت.. جعلتني أحلم وذهبت.. لماذا خدعتني إذا كنت ستذهب؟... أنت أملي، أنت فخري، وتاج رأسي.. الآن بمن سأفتخر.
* ألا يا نجوم السماء انزلي عزيني.. ألا يا أرض نوحي قدرما تنوحي وابكي قدر ما بكوا فوقك على حبيب.. ألا يا سحاب أمطري رعداً وبرقاً على من حكموا على أخي بالموت.. ألا يا رياح هبي سموماً على هذا العالم القاسي... لماذا؟.. لماذا لا تتحركوا؟.. هيا.. هيا...... كلكم لا تفهمون من هو أخي.
* دمك في عنقي يا أخي، قاتلك يُقتل أو أموت دون ذلك، هذا حكمي، هذه عدالتي، لتهدأ نفسك يا أخي، فقريباً ما يكون المجرم تحت الثرى.
* يدخل سميح بسرعة على زوجته، أغلقي الباب خلفي، فتصيح الزوجة: مالك مرعوب، كأنّ وراءك الجن، من يطاردك، من يسعى وراءك؟
سميح: هيا، سنغادر المنزل، لي أهل في المدينة الأخرى، نقيم عندهم حتى أشتري بيتاً جديداً أفضل من هذا البيت.
الزوجة: ولماذا هذا كله؟ ما ذعرت هكذا من أمد وما خفت هكذا من قبل؟
سميح: اليوم.. اليوم.. غفلت وأنا أقود، فزادت سرعة السيارة في حي سكني فقير، فصدمت فتى يافعا، حاملاً حقيبته، عائداً إلى بيته.
الزوجة: وهل مات؟
سميح: لا أدري.. لقد تحول لونه إلى الأحمر من كثرة الدماء النازفة، لقد كان الحادث مريعاً حقاً.. لكن لم يؤكد أحد موته، إلى أن جاء أحدهم، قيل لي أنه أخوه فحمله وذهب بعيداً، وتوارى عن الأنظار.
الزوجة: فلماذا أنت خائف إذاً؟
سميح: لا أدري.. ولكني رأيت في عينيه حقداً يطعن بالسيوف.. وضغينة ترمي بالرماح.. وكراهية تصوب بالسهام.. أخافتني نظرته رغم أنه لم يرني إلا ثواني، غريب ذلك الإنسان، لو كان أخي لصحت وبكيت وولولت وصرخت.. وبعد أخذ ورد بين سميح وزوجته، قالت الزوجة: ليس لي علاقة، هذا البيت لن أفارقه، لقد ولد ابني هنا، وعاش سنينه الأولى هنا، ولن أترك هذا المنزل لمجرد هذا الحادث.. أما ذلك الفقير فادفع له ما يسكته، صدقني أنا أعرف الفقراء، إن المال لديهم أغلى من أنفسهم.
* بدأ مهند رحلة البحث عن الانتقام، ليس في رأسه إلا الانتقام.. وليس في قلبه إلا عيناً تذرف الدموع على ذكرى حبيبه.. يمضي لياليه قرب بيت سميح كل ليلة يتخيل أنه يقتله بطريقة.. وأيامه كانت عند القبر يناجي فيها حبيبه.. لم يرد لغضبه أن ينطفئ.. ولا لكراهيته أن تنجلي.. ولا أن ينسي حقده ألم الفراق.
* بدأت الرحلة بالبحث عن مسدس، ولم يكن بالأمر الصعب مع وجود طائفة من تجار السلاح باعوا كرامتهم وأبدلوها بالمال، واللهث وراءه، ما همهم من يقتل ومن يموت.. المهم هو المال.
الزوجة: اسمع يا سميح أنا ذاهبة إلى أمي وقد أتأخر.
سميح: أفعلي ما بدا لك، لكن اتركي وليد، فقد وعدته أن أصطحبه إلى حديقة الملاهي.
وتخرج الزوجة، ويحس مهند أن الوقت قد حان للانتقام، يراقب ويراقب وحان وقت التنفيذ، وببرود وخفة، يدخل المنزل من الباب الخلفي، وكما ينقض الفهد على الغزال، انقض مهند على سميح بضربة على رأسه أسقطته على الأرض.
يستيقظ سميح.. يجد نفسه مكتوف الحركة.. مربوطاً إلى كرسي بحبال معقودة بطريقة محكمة.. لا همس ولا حركة.. إلا مهنداً موجهاً إليه المسدس.. في هذا الوقت لم يكن سميح يرى الجدران كما يراها، ولا الأثاث الفاخر بقي فاخراً، حتى اللوحات الفنية الثمينة لم تعد جميلة، لا شيء كما كان.. أنه يعرف الآن أنه في أشد لحظات حياته.
سميح: ماذا تريد مني؟
مهند: ماتت أمي ولم أنطق اسمي اسمي، ومرت سنوات، وتزوج أبي ضبعة، حولت حياتي وحياة أخي إلى جحيم، مع أن السوء لم يبدر منا قط، وتسببت في طردنا من المنزل طرد الكلاب المسعورة، تصور أب يرمي بفلذات كبده إلى الهاوية، ولكي نعيش كان لزاماً على أحدنا أن يترك دراسته ليعمل.. ولأنه أذكى مني وأفضل، ولأنه يحب العلم، ولأنه مشهود من قبل المعلمين بالأدب وحسن الخلق، ولأنه أخي الصغير..
يسكت.. تنسكب دموعه لتروي أخاديد في وجه صنعها الفراق، لتوحي لسميح بما تسبب من فاجعة، وأن رعونته وإهماله كانت نتيجتها مصيبة.. يعود مهند للحديث، ولأنه أخي الصغير، تركتها أنا، كان ما أجنيه قليلاً، وكنت أقضي وقتاً طويلاً في العمل، ورغم الذل الذي كنت أعانيه، إلا أننا كنا نعيش.. أمي تأتيني كل ليلة فتوصيني به.. حتى أبي عندما طردنا أوصاني به.. كان هو هدفي في الحياة.. وحياتي كانت لأجله.. منه استمد طاقتي.. ابتسامته سر قوتي.. وقبلاته تغنيني عن الدنيا وما فيها.. ذهب هو فلا حياة لي بعده.. الآن فهمت الزير سالم، قتل ما قتل من بكر ولم يغنه ذلك عن أخيه.. نعم أخيه.. يتقدم يمسك سميح من تلابيبه ويقول: لقد حرمتني الأخ ياسميح.. حرمتني عائلتي وأهلي وناسي.. من لك غير أخوك يا مهند.
سميح: اسمع يا مهند سأعطيك دية أخيك.
مهند: دية أخي.. يصرخ وأنا من يدفع ديتي.. أتريد أن أبيع أخي.. لتذهب أنت ونقودك إلى الجحيم.. أتدري عندما حملته حاولت أن أهرع به إلى المشفى.. لكنه حضنني بشدة وبكى وقال: إني أتألم يا أخي.. أغمي عليه، عاد فاستيقظ وقال: لي رسالة لك في حقيبتي.. قلت له: لا تقل هذا، أنت من سيقرأ لي.. فقال: أمي ستأتي وتأخذني.. لا تخف علي.. قبلني في صدري ثم سقطت يده من صدره.. وثقل رأسه.. رجوته أن يبقى معي لكن الطبيب أكد لي أنه مات.
أتدري ماذا كتب لي في الرسالة «أنا أعلم أنك تتعب من أجلي، لذلك أنا أحبك قدر الدنيا كلها». يضع مسدسه في رأس سميح ويقول: استعد للموت.
سميح: أرجوك يا مهند لا تقتلني، لم أكن أقصد.
مهند: لا أستطيع.... يجب أن أثأر لأخي.
وفجأة يدخل الطفل وليد من الباب متسائلا متى سنذهب إلى الملاهي يا أبي؟.
يرى مهند سميح.. وبألفاظ المقهور.. يهمس لسميح... لتذق من نفس الكأس، ويطلق رصاصة، ولأنها جريمة، والجريمة خطأ، يخرج هارباً.
سميح يفتح عينيه.. تأكد أنه لم يصب.. يقول: هذا الأحمق لا يستطيع التصويب من هذه المسافة.. يلتفت إلى الباب.. يصرخ بأعلى صوته: وليد... ولدي.
* يسمع مهند هذه الصرخة.. يشعر بهم انزاح عن نفسه رغم حزنه على ما فعل.. وبخطى الذاهب إلى الموت.. يصل إلى قبر أخيه.. يمسح التراب عن الحجر.. جانب القبر يحفر قبره.. ينزل.. ينام واضعاً وجهه ناحية أخيه.. كأنه يريد أن يعتني به حتى تحت التراب.. يغمض عينيه.. تهبط حبيبات الرمل التي كانت على جفنيه.. فتهز هذه الحبيبات القلم الذي كتب هذه القصة.
عبدالباسط عبدالصمد النوعة ـ دبي