أضحت مرحلة المراهقة أمراً مؤرقاً لكثير من الأسر في وقتنا الحاضر التي تجد صعوبة كبيرة في التعامل مع المراهق ومتطلبات المرحلة التي يمر بها واحتياجاته النفسية، فضلاً عن المشكلات التي تطرأ على الشباب وتحول بينه وبين التكيف السليم مع المجتمع والسبل التي تحكم علاقة المراهق بالراشدين وخصوصاً مع الوالدين وسعيه الدائم للتحرر من سلطتهم والوصول إلى درجة من الاستقلالية والمساواة معهم كما يتراءى له.
وكنا قد عرضنا من خلال عدة حلقات متتابعة قضية المراهقة وآثارها النفسية والاجتماعية وتبعاتها على المراهق والمجتمع، وتعرضنا لأهم المشكلات التي قد تتسلل إلى حياة الشباب وما تفتح عليهم من أبواب الانحراف والدخول في مهاوي الجريمة..
واليوم نختم هذا الملف بدراسة إحصائية أجراها الموقع الإلكتروني في جريدة البيان طرحت من خلال سؤالاً على الجمهور عن أسباب انحراف المراهقين وما العوامل التي تقف وراء سلوكهم مثل هذا المسلك.
وقد أظهرت نتائج استطلاع الرأي لإجمالي الأصوات والتي بلغ عددها 587 صوتاً، أن ما نسبته06, 41 بالمئة يعزون السبب في انحراف المراهق إلى انعدام رقابة الأسرة، في حين قال 72, 17 بالمئة إن أسباب انحراف المراهق تعود إلى مرافقة أصدقاء السوء.
وقال 99, 14 بالمئة إن تعدد الثقافات في وسائل الإعلام ونقل ثقافة لا تمت لمجتمعاتنا بصلة هي التي تقف وراء هذه المشكلة، كما يرى ما نسبتهم 46, 13 بالمئة وقوف غزو التكنولوجيا الحديثة يعد من أهم الأسباب في نشر الانحراف بين المراهقين نظراً لانفتاحهم على العالم، بينما يؤكد 78, 12 بالمئة أن غياب القدوة في العائلة هو العامل الأساسي.
الضبط الاجتماعي
وتعقيباً على الاستطلاع قال الدكتور حسين العثمان من قسم علم الاجتماع بجامعة الشارقة تشير النتائج إلى أن هناك وعياً من الذي أجروا الاستطلاع بقضايا انحراف المراهقين بالمجتمع، ولوحظ من خلال النتائج التي خرجتم بها التركيز على لدور المنوط بالرقابة الأسرية حيث ظهر أن أهم أسباب الانحراف كما يراها الجمهور تعود إلى غياب رقابة الأهل بالدرجة وذلك لأن الأسرة لا تزال تلعب الدور الرئيسي في عمليات الضبط الاجتماعي في مختلف المجتمعات وفي ضوء المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتسارعة.
وبسبب عوامل التحديث وثورة المعلومات اخذ دور الأسرة يقل شيئاً فشيئاً في الإشراف على الأبناء والبنات مما يزيد من انحراف المراهقين حيث توصف هذه المرحلة بالحساسة والخطرة لما تحمله من متغيرات فسيولوجية وتوترات وتحدٍ لسلطة الوالدين .
وقال الدكتور العثمان: هناك تركيز دائم في الدراسات الفسيولوجية على تماسك الأسرة وأهمية ذلك في مواجهة الأزمات والصعوبات التي يواجهها أفرادها في ضوء ضخ المعلومات الهائل من الانترنت والفضائيات ليصبح دور الأسرة أكثر أهمية في الإشراف والرقابة على الأبناء والبنات لتمكينهم من التعامل مع الرسائل الحديثة بطرق لا تنعكس عليهم سلباً.
الثقافة الوافدة
ويرى الدكتور إبراهيم الشمسي أستاذ الإعلام في جامعة الشارقةأن تعدد الثقافات في وسائل الإعلام والتي يطلق عليها الثقافة الوافدة إلى مجتمعاتنا في ظاهرها جيد.
ولكن تحمل في طياتها وبطرق منظمة قيماً سلبية لا يفهمها إلا الإنسان المتعلم والواعي، وهنا اضرب مثالاً على ذلك مسلسل »نور« فبطلة المسلسل تتصرف بحكمة جيدة وقيم ممتازة عندما يتعلق الأمر بالآخرين ومعاناتهم وهذه معاني جميلة لكن في الناحية الأخرى تبث سموماً كثيرة مبطنة لثقافة لا تتماشى مع عاداتنا وتقاليدنا، حيث أصبح لدى المشاهد انطباع يؤكد أن التعاملات أو السلوكيات التي تمارس في المسلسل تعد أمراً عادياً لما لها من إقبال كبير من جميع أفراد العائلة وهنا تكمن الخطورة.
فمثل هذه الثقافات لها دور كبير وهي من أهم العوامل التي تساعد على انحراف الجيل والمراهقين فمن خلال الاستطلاع الذي أجرته البيان نجد 99, 14 بالمئة يرجعون أسباب انحراف المراهقين إلى وسائل الإعلام وهذا دليل واضح على وعي وتفهم لثقافات الآخرين لكن يجب علينا أن نفهم ثقافتنا بداية قبل الولوج في تعلم ثقافات الآخرين.
وقال هناك مقولة للدكتور غازي القصيبي دائماً ارددها يقول فيها: »كنا نعاني من الغزو الثقافي المباشر وتحولنا إلى الانسلاب غير المباشر ثم تحولنا إلى الانسلاب المباشر«، والسبب في ذلك ترك ثقافتنا واتباع ثقافات الآخرين، والسبب في ذلك يرجع إلى القائمين على وسائل الإعلام الذين يهمهم بالدرجة الأولى العائد المادي ويضربون بالقيم الأخلاقية وثقافة المجتمع عرض الحائط.
أسر مضطربة
الدكتورة نادية البدري أخصائية نفسية تقول: نرى أن هذه الأسباب متداخلة مع بعضها بعضاً، وذلك أن غياب دور الأسرة الإرشادي هو نتيجة حتمية لانشغال الأب بتجارته وأعماله وخصوصياته لما يتطلبه العمل في كثير من الأحيان من الحاجة للسفر بعيداً عن أسرته .
وكذلك انشغال الأم بالعمل خارج المنزل، واعتماد الأسرة الكلي في تربية الأبناء على المربيات الأجنبيات اللاتي ليس لديهن دراية كافية بقيمنا الإسلامية وعاداتنا العربية الأصيلة، مما انعكس سلبا على تربية الأبناء.
إضافة إلى ذلك فإن الصحبة السيئة سبب من الأسباب الرئيسية لانحراف الأبناء، فالقرين يقتدي بالقرين ويندفع معهم نتيجة الفراغ الروحي والخواء النفسي لأن يسلك سوكاً منحرفاُ يدفعه للبحث عن المجهول ولفت انتباه الآخرين.
أما غياب القدوة الحسنة فهو عامل أساسي للسلوك المنحرف، وقد لوحظ أن أغلب المراهقين الذين لديهم انحرافات سلوكية ينتمون إلى أسر تتسم بطابع التفكك والانهيار نتيجة الطلاق أو الهجر أو الزواج من الأخرى حيث يكون الأب في وادٍ والأم في وادٍ آخر.
لذا فعلى الأب والأم أن يتساءل كل منهما عن الدور الذي يقوم به تجاه أبنائه قبل أن يلوم أحداً أو يعلق أخطاءه على غيره.
مجيب هزاع ـ« البيان» الالكتروني
