ليس من المبالغة القول إن التدخين يمثل ظاهرة خطرة تنتشر بسرعة النار في الهشيم بين شباب في مقتبل العمر من كلا الجنسين يدخلون مراحلهم الجامعية الأولى وهم مدمنون على تعاطي السجائر وكأنها من المسلمات الطبيعية في حياتهم.

ومن المعروف أن نصف المدخنين حالياً الذين يصل عددهم إلى حوالي 650 مليون مدخن- سوف يتعرضون للوفاة بسبب التبغ، إضافة إلى أن مئات الآلاف من غير المدخنين يموتون كل عام بسبب الأمراض الناجمة عن تعرضهم لدخان التبغ من المدخنين. بينما يشير تقرير لمنظمة الصحة العالمية أن التدخين يعد ثاني أكبر مسببات الوفاة في العالم.

وكون معظم فئات الشباب اليوم هم من المتعلمين فليس من المعقول تبرير مواقفهم بالجهل أو عدم معرفة مخاطر التدخين، بل إن كثيرا منهم يعترف بمخاطره لكنه لا يفكر بتركه. حيث يقول مشعل عبدالله 24 سنة: بدأت بتدخين النرجيلة منذ أن كنت في الثامنة عشرة من عمري، ثم انتقلت إلى تدخين السجائر وأنا في العشرين وقد أخبرت والدي بالأمر لكن والدتي لا تعرف حتى الآن لأني لا أرغب بجعلها تغضب أو تقلق علي، وكلنا نعرف أن التدخين مضر بالصحة لكننا نعرف كذلك انه إدمان ليس من السهل التغلب عليه، وأنا لا أدخن أمام والدي احتراما له لكني لم أستطع ترك التدخين حتى الآن. ويقول مشعل عبد العزيز 23 سنة: للأسف أنا مدخن منذ سن السادسة عشرة، وقد كنت أخفي التدخين عن والديَّ حفاظا على مشاعرهما لكنهما اكتشفا الأمر وأنا في العشرين، وقد اعترفت باستمراري في التدخين ولم أفكر بتركه لأنه ليس أمرا سهلا. ويؤكد أسامة سعيد صعوبة ترك عادة التدخين فيقول: ليس من السهل مقاومة التدخين خاصة حين تكون مع أصدقاء مدخنين، لذا أشعر أن الأمر أشبه بالعدوى.

وقد بدأت التدخين في سن مبكرة واضطررت إلى تقديم عشرات الوعود لأهلي بتركها وكانت أمي تكتشف تدخيني من رائحة ملابسي وبقايا التبغ فيها فتلقي علي محاضرة طويلة حول مضار التدخين، بل إنها تبعث لي رسائل إلكترونية عن الحقائق العلمية للتدخين، وأكون في موقف صعب فأعدها بأني سأحاول تركه، وتبدأ بتوفير كل ما يمكن أن يلهيني عن السجائر ولكن بمجرد خروجي مع أصدقائي أعود إليه وهكذا بقيت أدور في تلك الحلقة المفرغة التي لا حل لها، فأنا لا أريد ترك التدخين لكن شعوري بالذنب تجاه أمي يحاصرني.

ويروي أحمد تجربة مختلفة مع التدخين حيث يقول: ازدادت لدي الرغبة بالتدخين حين رأيت أخي يدخن ويسخر مني ويعيرني بالجبن والخوف من أهلي فقررت التمرد والتدخين وبالفعل بدأت التدخين في السنة الأولى من الجامعة حيث كنت أدرس بعيدا عن والدي، وبعد شهر واحد انهارت صحتي لأن بنيتي ضعيفة ولم أكن آكل جيدا، لذا عرفت الخطر الذي يحذرني منه أهلي فتركت التدخين واعترفت لأهلي بما فعلت.

حكايات البنات

وللبنات حكايات أخرى مع التدخين، فقد أصبحت مقاهي الشيشة تعج بالصغيرات الجميلات اللائي يجدن في تدخين الشيشة متعة أكبر من تدخين السجائر، فتقول سارا جميل: أنا لا أدخن السجائر، لكني أدخن الشيشة على الأقل أربع مرات في الأسبوع ووالدتي تعرف بالأمر فهي تدخن معي أحيانا، وبصراحة تعلمت التدخين منها، إضافة إلى أن جميع صديقاتي يدخنّ الشيشة بشكل عادي، وأنا أعتقد أن هذا الأمر أصبح طبيعيا ولا يستغرب الناس وجوده فلماذا تثيرون تلك الضجة الإعلامية حوله؟

أما صديقتها سالمة حمد فتقول: أنا أدخن الشيشة في أوقات قليلة جدا، لأني أحب روائحها، لكني لا أدمن عليها، ولا تشكل لدي قلقا إذا ما تركتها، لذا لا أعد نفسي مدخنة بالمعنى المتعارف عليه.

وتشير ميس بسام إلى أن أماكن الشيشة ليست بالضرورة للتدخين فهي مقاهٍ نجتمع فيها مع الصديقات وقد يرافقها تدخين الشيشة أو قد لا يخطر على البال مطلقا، وأنا أفضل هذه الأماكن لأن بعض صديقاتي يرغبن بتدخين الشيشة فتكون لهم الحرية بالاختيار، كما أعتقد أن كثيراً من الفتيات يدخنّ السجائر في الخفاء من باب التجربة والمغامرة فقط.

تحليل نفسي

ويبدو أن الجانب التعويضي والقدوة السيئة في المنزل تأتي في مقدمة مبررات علم النفس لتدخين المراهقين حيث يقول اختصاصي الطب النفسي الدكتور خليل الكرخي: اعتقد أن التدخين يعود بالإنسان إلى المرحلة الفموية وهي مرحلة الطفولة المبكرة في عمر الإنسان، وتمثل تلك العودة نكوصا نفسيا له علاقة بالحرمان العاطفي والكبت النفسي، فعندما يكون الإنسان محروما يحاول تعويض هذا الحرمان باللجوء إلى الطعام أو التدخين، كما يمكن أن يكون التدخين ناتجا عن حالة من الوسواس القهري أو رغبة في تفتيت شحنات القلق التي يشعر بها المراهق في تلك المرحلة، وقد كانت الدراسات القديمة ترى في التدخين إدمانا نفسيا، لكن ما توصل إليه العلم الحديث يؤكد أن للتدخين علاقة بالإدمان العضوي كذلك فحين تقل نسبة النيكوتين في الدم يشعر المدخن بحاجة شديدة إلى موازنتها، لذا يفترض أن يتم منع التدخين مثلما تمنع المواد المخدرة التي تكون سببا في الإدمان، والمراهقة مرحلة خطرة جدا على المراهق وعلى محيطه لأنها مرحلة غير مستقرة فهي مرحلة انتقالية بين الطفولة والنضج لذا ينبغي معاملة المراهق على أنه شخص ناضج لأنه يكون قد بدأ بالانسلاخ من طفولته فيشعر بالرضا إذا ما عومل معاملة البالغين، وكون التدخين يبدأ من التجريب والتقليد ويتحول إلى الإدمان فدور الأهل هنا يكون بتوفير القدوة الحسنة داخل الأسرة، فليس من الطبيعي أن يكون الأب مدخنا ويحاول ثني ابنه عن التدخين لأن المراهق في تلك المرحلة يستلم رسالتين متناقضتين تؤديان إلى عدم ثقته بصحتهما، لذا يجب أن يحرص الوالدان على أن يكونا قدوة لأبنائهما منذ مراحل الطفولة لكي يكون لهما التأثير الإيجابي في حياتهم.

ومن الناحية الاجتماعية تأتي محاولات إثبات الشخصية في مقدمة أسباب التدخين حيث ترى الباحثة الاجتماعية سحر الهاشمي (أن المراهق في تلك المرحلة يحاول إثبات وجوده بالتوجه إلى تصرفات يقوم بها البالغون ومنها التدخين، إضافة إلى الرغبة بالاكتشاف والتجريب وحب الظهور بمظهر الشخص المسيطر الذي يستطيع إبداء رأيه بالأمور واتخاذ المواقف.

وهي بالنسبة للمراهقين الذكور محاولة لإثبات الرجولة بينما تكون لدى الإناث رغبة بالتحرر وكسر المألوف، ويكون تدخين أحد أفراد الأسرة سببا مهما في اتجاه المراهق لتقليده أو حتى التمرد عليه وعلى قوانين العائلة التي لا تطبق على البالغين، لذا لابد أن يعامل المراهق بحذر وبطريقة تشعره بأهميته لتكون هناك فرصة لإقناعه بترك التدخين والابتعاد عنه.

ومع كل النصائح التي يقدمها الخبراء نجد أن شباب اليوم يعيشون في عالم مختلف تماما عن عالم الأسرة، بل تكاد تكون سبل التواصل مقطوعة بين الطرفين.

دلال جويد