تعد المراهقة مرحلة مهمة بين الطفولة والرشد، وفي وسط هذه المرحلة تكمن الخطورة، بل إن كثيراً من المراهقين ذهب إلى عالم مجهول، بسبب عدم وجود الرقابة من الأسرة أو من المجتمع، وبعضهم أخذته أهواؤه إلى عالم الجريمة والضياع خاصة في الزمن الحاضر الذي ظهرت فيه التقنيات الحديثة والوسائل المتطورة فكانت طريقاً سهلاً للبعض في الوقوع في مثل هذا الخطأ، ومكمن الخطر في هذه المرحلة مظاهر النمو المختلفة الجسمية منها والفسيولوجية والعقلية والاجتماعية والانفعالية بل والدينية والخلقية، وبالتأكيد كل هذه المظاهر هي صراعات متعددة في حياة المراهق داخلية وخارجية.

ولكن ما الدور المنوط بالأسرة إذا وجد فيها شاب مراهق أو فتاة مراهقة، وما الذي يجب عليها القيام به للحفاظ عليهما من الانحراف والانجرار نحو المجهول، وهل تجب مراقبة المراهقين مراقبة دقيقة من قبل الأسرة ورعايتهم رعاية خاصة؟.. كل هذه الأسئلة حملناها إلى أولياء الأمور والمختصين لنبحث لها عن إجابات..

الدكتور علي الحرجان أخصائي الطب النفسي بالشارقة أوضح بداية أهمية التأثير البيئي على المراهق قائلاً: هناك اختلاف بالأنماط الحضارية التي يتربى وسطها المراهق، فهي في المجتمع البدائي تختلف عنها في المجتمع المتحضر، وكذلك تختلف في مجتمع المدينة عنها في المجتمع الريفي.

كما تختلف من المجتمع المتزمت الذي يفرض كثيراً من القيود والأغلال على نشاط المراهق، عنها في المجتمع الحر الذي يتيح للمراهق فرص العمل والنشاط، وفرص إشباع الحاجات والدوافع المختلفة، ولقد دلت التجارب على أن المجتمعات الأجنبية يوجد فيها الكثير من المشكلات.

بينما نجد أن مشكلات المراهق في المجتمعات العربية والإسلامية أقل بكثير ولذلك أسبابه ودوافعه، فالأسرة العربية والإسلامية وبحكم العادات والتقاليد تحرص كل الحرص على مراقبة أبنائها وسؤالهم باستمرار عن الأماكن التي سوف يذهبون إليها، أو معرفة أصدقائهم، وأكثر الحرص عادة يكون على البنت وهناك أشكال مختلفة من الرعاية والمتابعة لمن هم في سن المراهقة.

ولفت الدكتور الحرجان إلى أن الحديث مع المراهقين بفظاظة وعدوانية، ومعاملتهم بعنف وقسوة، يؤديان بهم إلى أن يتصرفوا بالطريقة نفسها، بل قد يتمادوا بأكثر من ذلك خاصة عندما يكونون في مرحلة التكوين الجسمي، وعصبية المراهقين هي في معظم الحالات من الوالدين أو المحيطين بهم.

كما أن تشدد الأهل معهم بشكل مفرط، ومطالبتهم بما يفوق طاقاتهم وقدراتهم من التصرفات والسلوكيات، يجعلهم عاجزين عن الاستجابة لتلك الطلبات، والنتيجة إحساسهم بأن عدواناً وقع عليهم، ومثل هذا التصرف يؤدي إلى توترهم وعصبيتهم، ويدفعهم ذلك إلى عدوانية السلوك الذي يعبرون عنها في صورته الأولية بالعصبية.

صراع داخلي

يرى خميس معيوف الكعبي رب أسرة أن الشعور بالاغتراب والتمرد يجعل المراهق يشكو من أن والديه لا يفهمانه ولا يستمعان له، ولذلك يحاول الانسلاخ عن رغبات الوالدين كوسيلة لتأكيد وإثبات تفرده وتميزه بشخصيته الجديدة، وبالتالي تظهر لديه سلوكيات التمرد والمكابرة والعناد والتعصب والعدوانية.

وهناك السلوك المزعج الذي يسببه رغبة المراهق في تحقيق مقاصده الخاصة دون اعتبار للمصلحة العامة، وبالتالي قد يصرخ ويشتم وربما يسرق، ويجادل في أمور تافهة كما انه لا يتردد في أن يورط نفسه في المشاكل، ومن التناقضات التي يعيش فيها المراهق الصراع الداخلي المتمثل بالصراع بين الرغبة في الاستقلال عن الأسرة أو التخلص من الاعتماد عليها، ومتطلبات الرجولة والأنوثة، والطموحات الزائدة وبين تقصيره الواضح في التزاماته.

وأيضاً بين غرائزه الداخلية والعادات والتقاليد الاجتماعية، والصراع الديني بين ما تعلمه من شعائر ومبادئ وهو صغير وبين تفكيره الناقد الجديد وفلسفته الخاصة الجديدة للحياة، وهكذا يظل المراهق أو المراهقة في صراع مع النفس حتى يصل إلى مرحلة الرشد والخروج إلى بر الأمان.

اختلاف ثقافات

عبدالله مبارك القايدي أحد أولياء الأمور يعزو مسألة مشكلات المراهق إلى اختلاف مفاهيم الآباء عن مفاهيم الأبناء، واختلاف البيئة التي نشأ فيها الأهل وتكونت فيها شخصيتهم عن بيئة الأبناء، وهذا أمر طبيعي لاختلاف الأجيال والأزمان والثقافات، فالوالدان يحاولان تسيير أبنائهم بموجب آرائهم وعاداتهم وتقاليد مجتمعاتهم.

وبالتالي يحجم الأبناء عن الحوار مع أهلهم، باعتقادهم أن الآباء إما أنهم لا يهمهم معرفة مشكلاتهم أو السؤال عنهم، أو أنهم لا يستطيعون فهمها، ويقول: في اعتقادي أن معالجة مشكلة تباين الأجيال لا تكون إلا بالحوار الحقيقي والابتعاد عن التنافر والصراع والاغتراب المتبادل، ولا بد من تفهم وجهة نظر الأبناء فعلاً لا شكلاً.

بحيث يشعر المراهق أن من هم حوله متفهمون له، وأتمنى أن يجد المراهق لدى الأهل آذاناً صاغية وقلوباً متفتحة من الأعماق، لا مجرد مجاملة، كما ينبغي أن نفسح له المجال ليشق طريقه بنفسه حتى لو أخطأ، فالأخطاء طريق للتعلم، وعلى الأسرة أن تكون مراقبة لا أن تكون متشددة بآرائها وقراراتها.

وترى فتحية سعيد أن إشراك الأب في تحمل عبء تربية أولاده في هذه المرحلة الخطيرة من حياتهم أمر ضروري ومهم وتوجه رسالة إلى الأمهات فتقول: أتمنى من كل أم أن تشجع ابنها وأن تبث التفاؤل في نفسه، وتجمل أسلوبها معه، وتمنحه قدراً من الحرية بالإشراف غير المباشر، مع الحرص على تجنيبه الصحبة السيئة والسهر ليلا بعيدا عن المنزل، ولا تنسي أن تشركيه في الأنشطة الرياضية.

جميل محسن