تنسج مخيلتنا مئات الأفكار والأحلام، والتي غالبا ما يصعب تنفيذها أو تحقيقها، فقد تكون خارج منظومة سياق المعقول. وحيث لا حدود للخيال، فهو مساحات براح، تولد فيه الفكرة وتسبح في محيط، أجمل ما فيه أنه بلا حدود ولا قيود ولا يخضع لنظم. فيه نتجرد من القيم والمبادئ والأعراف، ومن كل ما من شأنه أن يقيدنا، أو يحد من آفاق حريتنا في اختيار ما يسعدنا بخصوصية، ففي التخيل لا شريك غيرك، ولا مبدع للتمادي بالفكرة سواك. هي أمور لا يمكن تفسيرها، ولا تكفيها حدود الحروف في السرد والتفصيل.

أحيانا نتعمد أن ننغمس في التخيل، لا لشيء سوى أننا نود الذهاب لأبعد من الصورة الحقيقية للواقع المعاش، والذي يأسرنا بضوابط نحن من صنعها، ثم لا نلبث أن نحتار في الفكاك منها، فنبحث عن سبل التعايش معها بدءا بالحروف التي تعجز عن تفسير تخيلاتنا، وليس انتهاءً بالأحاسيس التي نريد لها البقاء أكثر في زمن التحول واللاثبات.

لو كان لمخيلتنا صوت لتحاشينا التخيل أصلا، ولبحثنا عن خنادق ندس بها أفكارنا وتبرأنا من جلود المغالطات التي ترتدي وجوهنا، ومخانق تذهب بنا همسا قبل الصوت.

فمن منا لا يتخيل له واقعا أو لأبنائه غير الذي يعيشه؟ هل تراها تخيلات لأحلام غير قابلة التحقق أو التنفيذ؟ ولا حاضنة للبوح بها، هي فرصة لبلسمة الواقع وترطيب الأفكار والأحاسيس. لو كان لخيالنا صوت لحظرنا تفكيرنا، ولما تمادينا في بعض الأخيلة.

ولكن لطالما انتهينا عند حدود البساطة في طرح الصور، وعند حدود الشك المقيد باليقين المفرط، وعند حدود التعاطي مع ما نريد، من دون زيف أو مغالاة. ولو كان لمخيلاتنا صوت لعمدنا للتخفي والانزواء حيث تسكن رغائبنا.

من يجرؤ على سرد مخيلته وكشف ستره للعيان من؟ فقد يكسب كثيرا وقد يخسر كثيرا أيضا. نعرف من ثقافة التعايش مع الآخر البسيط من تعاليمها الغامضة، لكن الأهم أن نبقى في تماس معه، نتبادل لتفاعل ما، مجاملين تارة، ومنافقين تارة أخرى، نرهق ذواتنا نتعالى عليها وننصاع لإرضاء الآخر، فنحن نعرف كيف نكسر الحواجز بيننا وبين الآخر لتبادل ثقافي وفكري يثري واقعنا. ومازلنا نحن أكثر انفتاحا، نفتح الأبواب ولا نحطمها، نأخذ ما يعطينا غثا كان أو سميناً.ونتيح الفرصة للمخيلة بالذهاب بعيدا وراء الفكرة، لنحيط بها أكثر، ولنقتحم مغاليقها ونتعرف على جوانبها الخفية. فقد تغدو المخيلة وعاء الممكنات والمستحيلات معا، فيها تطبخ الفكرة، وتبدأ في النضج، فتكون إما رفدا أو ردما.

نحمد لله أن مخيلتنا خرساء أو لعلها أمينة، لا تفشي سرا إلا لدواخلنا كي يكتمل المشهد، ونمتد كأسطورة تبدأ بنا ولا تنتهي، نعيش تفاصيل حياكتها وحكايتها، ونشرد معها حيث الأمكنة التي نحب، ونستكملها حيث الفضاء المتاح، وكثيرا ما تبقى زادا لنا نستدعيها حيث التمني، وحيث تخلو الدنيا إلا منا، وخيولنا أو.. الأخيلة.

عائشة مصبح العاجل ـ الشارقة