ليس من شك في أن لسان المرء يدل على جبلته، فلغة الفرسان رصينة شامخة متينة كلغة شعراء العباسيين الذين يعكسون عنفوان الدولة وهيبتها، وقوة شكمها أعداءها، وإذا تحريت، وجدت معاني الاعتزاز، والإباء، والبأس، والمنعة، والافتخار، والإقدام، والاعتداد، والهيمنة، والشموخ الإسلامي والعربي.

وحين غدت الأمة نهبا للمتربصين، وأصيبت بشرخ في وحدتها، ونهشاً لأعدائها، وتولد لدى شبابها ـ وهم عدتها ـ الشعور بالهوان، نشأت لديهم عقدة التقليد الأعمى للأجنبي وهما بأن منظومته القيمية وراء هيبته، فتنكر للسانه، ونكص عن وعائه التراثي.

ومع أنني لا أنكر التأثر، ولكنني أشترط لهذا التأثير:

* أن تكون هناك مرجعية: دينية، وطنية، اجتماعية وثقافية.

* أن ينطلق التأثر من ثوابت الأمة وهويتها ومعتقداتها وأعرافها.

* أن يستهدف معالجة الانكفاء الحضاري، لسد الفجوة المدنية مع العالم المتطور.

* أن تكون هناك مصافٍ رسمية يتم من خلالها النقل.

* أن يعزز الموروث، بخدمة الكتاب الكريم، وتوضيح ما قد نكون قد قصرنا فيه.

مصداقاً لما قال الحق: «لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين».

ومما لا يريح الخاطر ـ بنظرة عاجلة ـ ما يأتي:

* أن ترى اللغة الأم وصيفة في موطنها، بحيث تتقدمها اللغات العجمى في الإعلانات والنشرات الترويجية وأسماء المحال التجارية والشركات.

* أن ترى اللغة العجمى مناط اهتمام مديري الشركات لدى مقابلات طالبي وظائفها دون إيلاء الاهتمام بلغة الهوية الوطنية.

* أن تستشعر الاستغراب إلى حد الانتقاص ممن يتخذ لغة أهل الجنة زين لسانه، وزاد تعبده.

* أن تتوافر ألوان الدعوم للمناشط، ولا تتهيأ هذه لتمويل الإبداعات الأدبية، والصالونات الثقافية، والأمسيات التربوية.

* أن ترى النظرة الرفيعة لمعلمي المواد العلمية بخلافها نحو معلمي العربية والتربية الإسلامية والتاريخ الإسلامي والاجتماعيات.

* ألا تتكامل مجاهيد مربي الأجيال في المحافظة على أهم مقومات الأمة، فتجد غير معلمي العربية غير معني بها، تحت ذريعة عدم الاختصاص بها، هذا إن لم نجد من أهل الاختصاص من يعيب سدنتها على التزامهم بأصول تدريسها ونطقها؟!

* ألا يمس بالهوية الوطنية وما يميزها، من: دين، لغة، اتجاهات، وقيم، وعادات، وأعراف وغايات.

* ألا يكون له انتماءات خارجية تحت أية ذريعة أو غطاء.

* ألا يكون اعتباطياً، أو مرتجلاً، بل لابد أن يكون مبنياً على خطط مدروسة، واضحة المعالم والأهداف والبرامج والمشروعات والمعايير والآفاق.

* ألا يكون تحت أملاءات أو تبعات تطال الشخصية ـ الوطنية.

رابعاً: المواد الإعلامية

لا مراء في الآثار التي تحدثها المادة الإعلامية عبر الفضائيات والوسائط الثقافية العديدة، وقد عد بعض الأكاديميين ثلاثمئة قناة فضائية تبث سمومها بعيداً عن الوازع: الديني، الوطني والاجتماعي.. إلى جانب الدوريات الهابطة وغيرها مما نال الحشمة والرصانة والاتزان والعفاف والحرمات، فلم تعد لديها ضوابط أخلاقية أو نوازع خيرة.

وأقول: لو أن علماء الأمة ومفكريها ومُبدعيها وأحرارها وأبطالها وحكماءها وشرفاءها والغيارى على امتدادها وجودها.. ينالون ما يناله أصحاب الأعمال الفنية المسطحة، ودور الدعاية والإعلام من اهتمام واحتفالات تبجيل؛ لبسطت الأمة أجنحتها في البحث العلمي والنهوض الشامل، وغدت اللغة العربية مرتع العلوم والفنون والاختراع ومناحي الحياة كافة.

خامساً: أنصاف المثقفين أو المتثاقفين

فقد وقع بعضهم فريسة «ألقاب مملكة في غير موضعها»؛ حين حسبوا أن عجمية ألسنتهم، والتغريب في خطابهم، وطبائعهم، بل والانتقاص من اللسان العربي، والإشادة بلغة الأجنبي، تخلع عليهم نعوتاً وأسماءً يكسوهم بها أعداء الأمة، ودعاة التغريب ثياباً مستعارة، لا تستر فقرهم الثقافي، ولا تخفي أمراضهم الرخيصة، فصاروا يخللون كلامهم وكتاباتهم ببعض المفهومات التغريبية، والمصطلحات الأجنبية؛ ليوهموا سامعهم بأن الضاد المشرفة قاصرة عن استيعاب مقتضيات العصر والحداثة، وتمادى نعيقهم بأن دعا إلى العامية؛ ليقال عنه: يركب عربة الثقافة والتحديث، فما وعبوا ما نعقوا، فأضاعوا ما به نموا، وبذلك ما أصابوا دلواً، ولا ساقية.

فواز فتح الله ـ راس الخيمة