ينفصل البث التلفزيوني المحلي، ويظهر على الشاشة الصغيرة مدرج الألوان كقوس قزح، بعد وابل المشاهد المصاغة بتناغم لقهر الضجر، وفيها فسحة لتراكض الخيل وسباقات الهجن، وتقاليد الغوص، وسيل من البرامج التي تحاكينا وتشبهنا.

ما زلت أذكر (حي الهجن المضمرات) وقت الظهيرة فاصلاً مؤكدا على التواصل مع البيئة والهوية والموروث، وفي الختام نستمع إلى ما يشحذ عواطفنا إنه السلام الوطني، فندرك أن وقت الانفصال عن المشاهد المبرمجة قد حان، ولا بد من العودة للحقيقة، والواقع، والمكان الأساس، والزمان الفعلي، إذ يبدأ انهزام الشغب المعلن أمام إسدال الظلام جنحه وأستاره، نهرع للبحث عن منفذ آخر يستنزف الطاقة المتبقية، ونلتقي فيه بذواتنا أو بمن يحيط بنا (كتاب، مجلة، أخ، أخت، أم، أب، صديق...الخ) من دون أسلاك وكهرباء، ومن دون حيرة وكثرة تفكير وتخبط يبن حروف اللغة التي شوهها الكثيرون بانزياحاتهم الفكرية، وغلبة مفرداتها، والاكتفاء في ساعات النهار الأخيرة وساعات الليل الطويلة بحديث من نوع آخر، وبشغف آخر لوقت خاص يربطنا بنا.

خرجت بنا الأمور عن مدرج الألوان القزحية (وفرطت) حبات عقودها، وبات الفضاء يشغلنا ويجول بنا منذ أول الصباح ولا يكل حتى نغفو في آخر المساء على صور وأنغام، حكايات وأفلام، وغالبا أخبار المآسي والمواجع والتراشق بالرصاص. انفلات في كل شيء.. في الذوق والتوقيت، حيث تداهمك المشاهد الراقصة وقت الفجر مع النسمات الروحانية، فهل تسميها انتقاء أم فساداً؟

وحين تعلن الصواريخ عن موعد رجمها رؤوس العباد حسب توقيتها الدولي، وغالباً ما يكون التوقيت أثناء وجبة العشاء أو الغداء، ولعل المراد به التشتيت والتفريق ثم الإفضاء إلى تبلد العواطف، من كثرة التكرار حتى الاعتياد (تعايشنا تبلد غير مستساغ) فساعات اليوم لا تتسع للبرامج وخاصة أن المسلسلات المدبلجة التي تطول لساعات وتستمر لشهور وهي لا تتسق مع العادات ولا مع التقاليد ولا حتى مع شعارات الهوية والدعوة للحفاظ عليها.

أما الإنتاج الذي تفرزه شركات الإنتاج العربية فلعل شيء منه قد تشبهنا قليلا، إلى جانب الأفلام القصيرة التي تشارك في المسابقات المحلية والعالمية والتي لا تعرض إلا مرة واحدة وتغييب.

كل ذلك يفسخ الكتلة فلا تحل، وإن حلت فقدت خواصها في التحليل، وهكذا، انتدت الشاشات وصارت أكبر واتسعت «بوصاتها «لرؤية أفضل، وعمق أقل، وبرامج تراعي التوقيت الغربي، والمشاهد الغائب.

وهكذا نبدو كما لو أننا على بئر، نحسبها لا تنضب، ونحن لا نرتوي ولا البئر قائم أصلاً، يحرقنا الظمأ، تحشرج أرواحنا لأهواء نسجت لنرتديها، فلا هي تعبئنا ولا نجدنا فيها.

اللامحدودية واللانهاية، والاستمرارية والتواصل دائما ما تهدف لشيء معروف، إلا في الفضائيات لهث وراء رغبة التواصل والاستمرار بهدف التواجد والتحاور مع الآخر ومع الذات من خلال برامج يفترض أنها هادفة، لكن كثيرها غث وأندرها سمين ولا بد أن نختار، وهنا سؤال.. من الذي يختار؟ ووفق ماذا يختار؟

وما مدى استيعابه لفكرة الاختيار؟ وما قدرة هذه الفضائيات لتلبية هذا الخيار؟ وفق معايير الاختيار الحق المناسب لطبيعة البلد والبشر والتعايش والانفتاح، ووفق الانفتاح ومبدأ العولمة في كل شيء والتمازج والاختلاط حد التلاشي، فلاشيء يشبه شيئا، ولا أحد يشبه نفسه، والكل في فلك.

تبقى الأسئلة لهذه الإجابات العقيمة وحدها المحك للنظر في ممكن الخيارات، ومنهجية الظروف قد لا تتيح لنا خيارا غير ما هو موجود، فلا فواصل في المحيط بدءاً من تحديد أولويات المعيشة وليس انتهاء بالذات وتحقيقها واحترامها.

فلا منهجية ولا خطة، هي الخيارات في البث الصباحي والمسائي وساعات الاستغراق العبثي في بحور التلفزة الفضائية وقبولها بـ (زينها وشينها) حيث لابد من تعبئة الدماغ البشري والتعاطي معه بعصرنة وفق سياق التعبئة الصحية والمتوازنة.. جرعات من.. ثقافة - توعية - دين ـ اجتماعيات- وطنيات - وصحة - علوم وترفيه، متماشية مع النمط السائد شادةً وثاق الهوية حول الخصور والظهور لعلها تستقيم.

ألا نهدأ بسلام وطني وقوس من الألوان ليوم جديد وصباحات متجددة بفكر وخيار لا يشاركنا فيه غيرنا؟

متى ننعم بألوان السلام الوطني وهدأة النفس وفسحة التأمل، مع مواكبة العصر والانفتاح بخطى متأنية، لأننا لن نسمح أن يعبر عنا لسان لا ينطقن بلغتنا الصحيحة، ولا يجيد أبجديتنا، ولا ينتمي لإرثنا، ولا ينهل من بئر عواطفنا، يسرقه الضوء وتمتطيه الشهرة، حاملاً مهمة التنوير والتطوير وهوية الوطن في بقشة قاعدتها مثقوبة، فوا أسفي.

عائشة مصبح العاجل ـ الشارقة

تصوير: شما الفلاسي ـ دبي