مزيج من حكايات أزلية، وقصص لا تموت.. تستوطن مواقع الوجع.. فكل حكايةِ ألمٍ لا تخلو منه بطلاً .. ينتزع المرارة ويحل المرض، هو وصفة سحرية لأسقام عدة، لم يستطع الأجداد حصرها.
شاع استخدامه كملين للمعدة ومنظف للجهاز الهضمي، وطارد للسموم.. حيث العصا التي تضرب أوجاعاً مستعصية، وصفه الأجداد للصغار والكبار ذكوراً وإناثاً .. وجعلوه عادة دائمة لا تستدعي إصابة بالمرض أو ألماً طارئاً .. »الحلول« تعدى كونه خلطة دوائية، بل أصبح عادةً متأصلة.. لها طقوس خاصة.. فهو الواجب الأسبوعي الذي دأب على أدائه الأبناء.. والطب المنزلي الذي تفننت فيه الأمهات. أذكر قول لإحدى زميلات الدراسة بتذمر »كانت يدتي تحط كوب الحلول.. وتحط عداله خمس دراهم مصروف.. وتقول ما تاخذين المصروف إلا إذا شربتيه.. كنا صغار بسرعه ينقص علينا .. الحين لو الموت ما شربته«.. كنا صغاراً صحيح.. ولكن كنا أصحاء أكثر مما نحن عليه الآن..
»الحلول« هو اسمه المتداول محلياً، وفي الطب النبوي يسمى السنا وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال »لو كان في شيء شفاء من الموت لكان في السنا«، وفي اللغة العربية يطلق عليه »العشرق« أو »السنامكي« لأنه يكثر في مكة، وذكر أن مفعول السنا أقل حدة من خليط الأعشاب الموجود في الحلول أو العشرق، وقد تتباين أشكال العشبة ولكنها تتوحد في المفعول الملين والطارد للسموم، يقول أحد الباعة في سوق البهارات والأدوية: »المركب الدوائي (الحلول) خلطة من عدة أعشاب تجلب من الهند، هي الخروع، واليليلان (بذور الكزبرة)، واللبان، والزعتر البري والحبة السوداء، واليعدة والحلبة.
يتم غسلها وغليها ويشرب ماؤها بارداً أو دافئاً، ويشبه في طعمه مذاق الشاي«، وقد يضيف إليه البعض مسحوق الليمون المجفف أو الملح بغرض تحسين المذاق، أو ماء الورد حسب الرغبة، وجرت العادة عند الأهالي أن يشرب »الحلول« صباح يوم الأربعاء أو الخميس لأنها نهاية الأسبوع فملازمة المنزل أمر مستحب حتى تتحقق الفائدة من شرب الحلول.
حكايا وفوائد
تقول الجدة شيخة بنت علي التي دأبت على تحضير الحلول لأبناء الفريج، »للحلول مفعول السحر وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فوائده العظيمة، ولا زلت أذكر ابنة جارتي الصغيرة، التي أصيبت بألم شديد ولم يعرف سببه، وأخذها والداها إلى المطوع ولكنها لم تتحسن، ونصحتها بشرب الحلول، وحضرته لها فشفيت ولله الحمد«، وكذلك تُنصح بشربه الحوامل في شهورهن الأخيرة، فهو يسهل عملية الولادة ويطرد السموم من الجسم.
وتتذكر الجدة شيخة حكاية جارتها التي مرض رضيعها بعد أن شرب ماء البطن عند الولادة، فأسقته قطرات من الحلول فتقيّأ الماء الذي شربه وطرد السموم وشفي، وتقول: »يشرب الحلول بكمية مناسبة أي ما يعادل كوب الماء، ويشرب دفعة واحدة، ولا يفضل شربه دائماً بل في الحالات الطارئة أو الإصابة بالإمساك ولا يستحب شربه في الصيف، لأن الجسم يفقد كمية كبيرة من سوائله بعد شرب الحلول عندما يكون الجسم في أشد الحاجة لها، كما وصف الأجداد الحلول للإصابات الجلدية والقيح الذي يصيب البشرة، وذلك باعتبارها سموم تظهر على هيئة حبوب على ظاهر الجلد.
الحلول والطب
وللطب رأي علمي مبني على تجارب أثبتت ضرورة استشارة الطبيب قبل الشروع في تناول أي نوع من الأعشاب قد يؤدي تناوله إلى إحداث خلل في الجهاز الهضمي، وحول جدواها أكد الدكتور عماد فياض أخصائي أول جهاز هضمي ومناظير بهيئة الصحة بدبي،: »الأعشاب التي توارثتها الأجيال كالحلول والتي يصفها لبعضهم البعض من كبار السن والشباب ناتجة عن حالات مرضية سببها روتين الحياة الاجتماعية وقلة الحركة وعدم الالتزام بالعادات الغذائية السليمة، وقد تكون الأعشاب مجدية في بعض الحالات، ولكني كطبيب لا أنصح بها.
لما لها من مساوئ، وذلك لاختلاط الأعشاب المفيد منها والضار والمستوردة من الصين وتايوان،
والتي تعدى استخدامها حالات مرضية كالإمساك والإسهال، بل وصفها البعض لأمراض المفاصل والسكري أو تخفيف الوزن، وذلك نتج عن عدم وجود رقابة، أو دراسات مبنية على تجارب، وقد استقبلنا حالات أصيبت باعتلال في وظائف الكبد والذي أدى إلى التهابات كبدية ووبائية واختلال في وظائف الجهاز المناعي، يكون سببه تناول الأعشاب دون وصفة طبية، والتي تم اكتشاف الأثر السلبي لها من خلال الآثار الجانبية التي تظهر على المرضى«.
وفي حالات الإمساك أو الإسهال أكد الدكتور فياض أنه يتم وصف أدوية تحتوي على ألياف اصطناعية تحفز القولون على إفراز السوائل والتي تزيد كمية الماء، أما في حال تناول محاليل الأعشاب الملينة كالحلول فإن الجسم يفقد السوائل والأملاح (الصوديوم والبوتاسيوم والتي تعد ضرورية لتغذية القلب والدماغ) في عملية الخروج التي تمر عبر القولون بعد أن يتم امتصاص جميع السوائل.
بينما تحافظ الأدوية على أكبر قدر من سوائل الجسم، بحيث تُحفزه على إفراز السوائل والتي من شأنها تسهيل عملية خروج الفضلات والسموم من الجسم.
ويقول الدكتور فياض إنه في حالات الإمساك يتم وصف نوعين من الأدوية، الأول يحتوي ألياف اصطناعية تحفز القولون على الحركة وتزود البراز بكمية من الألياف التي تحفز الشعور بطرد الفضلات، والنوع الثاني عبارة عن شراب يزيد كمية الماء في الخروج دون الاضطرار إلى فقد الأملاح. وأوصى فياض بضرورة تنظيم الأكل والابتعاد عن الأصناف التي تؤدي إلى إمساك أو انتفاخ، كما دعا إلى ضرورة الحركة وممارسة الرياضة بشكل منتظم.
الإمساك المزمن
هناك حالات من الإمساك المزمن، التي تنتج من عدم وجود نسبة كافية من الماء في البراز، وهذا في العادة يحدث لقلة العناصر التي تحفظ الماء داخل الأمعاء (كالألياف).
وتحتاج حالات الإمساك المزمن إلى علاج بالأدوية، فاستشارة الطبيب ضرورية في حالة استمراره.
وذلك وقايةً من أمراض خطيرة، مثل الأورام بنوعيها الحميد والخبيث، كما ينصح الأفراد من عمر 45 إلى 50 بعمل منظار للقولون بشكل دوري للكشف عن هذه الحالات في أولها، لما لها من مضاعفات يستوجب تداركها بالكشف عنها مبكراً. والعلاج المعتاد للإمساك هو تحسين نوع الغذاء، والإكثار من تناول الخضار والفواكه التي تعد مصدراً رئيسياً للألياف.
مفعول
مسهل للمعدة ومقوٍ للقلب
الحلول خليط من الأعشاب المتعارف عليه عند الأطباء والعطارين قديماً، شاع استخدامه بصورة رئيسية كعلاج ملين، وقيل أنه يقوي القلب، وينفع في علاج حالات الوسواس والصداع والبثور والحكة والصرْع ويسهل عملية طرد السموم والفضلات من الجسم.
ويحضر محلولها بوضع حوالي 20 غم في لتر من الماء ويفضل أن يضاف إليه قليل من اللبان والتمر الهندي والحبة السوداء، وبمجرد أن يغلي يفضل تركه حتى يبرد ومن ثم يصفى من الورق ويشرب على الريق في أول استخدام كأساً واحداً، وبعد بضع ساعات يبدأ مفعول الحلول في خروج جميع ما في البطن من فضلات.
ويوصف الحلول مع اللبان أو الليمون المجفف والورد ويغلى بالماء لمن يشتكي من أمراض المعدة والقولون ويعد من أفضل الملينات؛ وذلك لأن مفعوله لا يبدأ إلا في القولون.
حيث يتم تحلله بواسطة البكتيريا القولونية . ولذا فإنه لا يؤثر على المعدة ولا على الأمعاء الدقيقة، ولا يؤثر بالتالي على امتصاص الغذاء كما تفعل معظم الملينات والمسهلات. ولا يسبب إمساكا بعد الإسهال. ويبدأ تأثيره المسهل عندما يصل إلى القولون ويستدعي ذلك من 6 إلى 12 ساعة أو أكثر.
أمل الفلاسي

