مطيعون لأهاليهم وهم صغار، متمردون عند المراهقة، هكذا يتدرج الأبناء في معاملتهم للآباء، فالمراهقون يطالبون الآباء بالسماح لهم بتجاوز الخطوط الحمراء ويستخدمون كل الوسائل البديلة للوصول إلى غاياتهم والآباء يقابلونهم بالرفض المستمر، وتظل فجوة سوء التفاهم بينهم تتسع حتى يصل فيها الأبناء في صراع دائم مع الآباء، وهناك بعض الآباء الذين يعتقدون أن زمنهم هو المثالي والذي يجب على أبنائهم أن يستمروا في عيش ذاك الوقت وليس عصرهم، وقد حذر عمر بن الخطاب الآباء من ذلك بقوله:»لا تقسروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم«.
ويؤكد خالد عبدالله 22سنة- طالب أن أهله مازالوا يحاسبونه على التأخير خارج المنزل ويودّون معرفة جميع أصحابه ويرفضون سفره للخارج بحجة أن الدول التي يختارها منفتحة جداً، كما أن قانون الرقابة ونظرية التحكم هما السائدان في المنزل مؤكدا أن كلمة ممنوع تمنعه وتدفعه لعمل كل شيء يروق له لأن كل ممنوع مرغوب. وأضاف:»جربت التدخين ثم تركته ثم عدت لأن والدي كان يرفض بشدة أن يدخن أبناؤه« ويضيف إن أهله أيضا يرفضون أن تكون له أي علاقة بفتاة حتى ولو كان الهدف منها الزواج باعتبار أنه شخص غير ناضج!! أما سامي أحمد 21سنه طالب، فيقول:»والدي دائماً ينتقدني بعدم تحملي للمسؤولية ومكوثي بالبيت أمام الكمبيوتر ويطالبني بالنهوض والبحث عن عمل، وغيرها من القرارات التي لا تسمح لي بالتأخر عن الساعة العاشرة مساء وعدم الإطالة بالحديث على الهاتف، وكلها أوامر يجب أن ننفذها بدون مناقشة متناسين أننا كبرنا وأصبحنا متحملين لمسؤولية أنفسنا«.
وللفتيات رأي آخر
وتقول نوره محمد 16سنة طالبة:» والدتي ترفض فكرة ذهابي للتسوق باستمرار، بحجة أن ما أختاره لا يعجبها ولا يقنعها متناسية أن لكل زمان ملابسه وموديلاته وليس بالضرورة أن أكون نسخة طبق الأصل عن والدتي«.
وتضيف:»كثيرا ما يزعجني الرقابة الشديدة التي تطرحها والدتي على بعض الأمور مثل الصديقات والخروج وأوقات الجلوس على الإنترنت واستخدام الموبايل«.
أما هدى عبد الحميد 19سنة طالبة، فتؤكد عداء أهلها لكل ما هو جديد، والدليل رفضهم حتى الآن دخول الكمبيوتر للبيت ومنحها موبايل خاصاً بها مع العلم أن جميع صديقاتها بالكلية لديهن كمبيوتر وهاتف.
وتضيف: »هذا غير اعتراضاتهم الكثيرة حول طريقة مذاكرتي واختيار ملابسي ووضع ماكياجي، وفي المقابل يجب علينا الرضوخ لأوامرهم أن لم نستطع إقناعهم بها«.
جيل آخر زمن
ويحدثنا يوسف النقبي موظف بقوله:»جيل اليوم لا يقتنع بآراء وكلام الأبناء فهم يظنون أن رأيهم هو الصحيح دائماً، دون الأخذ بعين الاعتبار بأن آباءهم والأكبر منهم سناً مروا بمراحل مختلفة واكتسبوا من خلالها خبرات، يجب على الأبناء أن يكتسبوها منهم«.
ويضيف:»أنا أتعامل مع أبنائي بحيث يحترمون آرائي وأتفاهم معهم بحيث نكون مقتنعين بالحل الذي توصلنا إليه، فنحن نتعامل كأننا أصدقاء وليس أب وأبناؤه، وباعتقادي هو الحل المناسب للتعامل مع الأبناء«.وتقول مريم سالم ربة منزل: »نذكر نحن الآن كيف كان آباؤنا يشكون من أن جيلنا لا يسمع الكلام ولا يراعي المشاعر ولا يقدر تعب الوالدين ولا يحترم الكبير أو يرأف بالصغير ويقوم سلوكه على العناد، وها نحن اليوم نعاني مما كانوا يعانون فالأبناء متمردون دائماً«.
وتؤكد:»يجب أن تكون هناك حواجز يجب على الأبناء أن لا يتخطوها، كما يجب أن يحترموا وجهات نظر آبائهم، ولكن هذا لا يمنع أن نمنح الحرية لهم ولكن بمراقبتهم المستمرة وإبعاد أصدقاء السوء وتوجيههم إلى السلوك السليم«.
حرمان عاطفي
الأستاذ خليفة المحرزي موجه العلاقات الأسرية بمحاكم دبي يؤكد أن ظاهرة التمرد السلبي لدى الأبناء، من أعقد مشاكل الأسر والمجتمعات في الوقت الراهن، لأنها تعني العصيان والرفض السلبي دائماً، كما أن مفهوم التمرد عند الآباء يختلف البتة عن الأبناء فهو عبارة عن الخروج على السلطة والقيم والقوانين والعقائد والأعراف السليمة أما عند الأبناء فهي تعني الشعور بالقوة والتحدي، وضرورة التغيير.
ويصنف المحرزي مراحل التمرد الشبابي بقوله:»المرحلة الأولى تبدأ في أحضان الأسرة، وذلك برفض أوامر الوالدين وعدم التقيّد بها عن تحّد وإصرار، والمرحلة الثانية تبدأ عند دخولهم إلى المدرسة، بما فيها من قوانين الحضور وإعداد الواجبات المدرسية، أما المرحلة الثالثة فتبدأ بالتمرّد على القانون والمجتمع والسلطة بشقّيه السلبي والايجابي، وأرى أن التمرد هو نتيجة الفجوة بين الأجيال كما أن عوامل الحرمان العاطفي قد قطعت الصلات الشخصية بين أفراد الأسرة الواحدة بالإضافة إلى جفاف نبع الحنان بغياب الجد أو الجدة حينما غابت الأسرة الممتدة عن المجتمعات«.
ويقول الدكتور علي الحرجان اختصاصي في الطب النفسي بالشارقة: إن هناك العديد من الدراسات والتحليلات التي أجريت على المراهقين والتي تبيّن سبب تمرد الأبناء، ومن هذه الأسباب التنشئة الخاطئة للأطفال وكذلك غياب الوالدين وتركهم بدون توصيات ولا إرشاد إلى السلوك الصحيح، ويلاحظ على المراهقين تصرفات لا يقبلها كلا الوالدين كعدم الالتزام بتعليماتهم، ومما يصيبهم باضطرابات نفسية قد تدفعهم للهروب من المنزل«.
ويقدم الحرجان الحلول بقوله:»يجب على الوالدين اتباع أسلوب حواري مع أبنائهم، واحترام آرائهم وتبادلها فيما بينهم وإقناعهم بها بدون أي استخدام للقسوة أو العنف أوالتحقير، والحقيقة أنه لا يمكن أن يكون هناك متمرد إلا بفعل عوامل ومؤثرات من الأسرة، ولا يوجد هناك حرج على من يستعين بطبيب نفسي فهو باستطاعته فهم الحالة وتشخيصها وتقديم الحلول المناسبة لها«.
اسباب تمرد المراهقين
ــ انشغال الوالدين والذي يؤدي إلى إهمال شؤون الأبناء.
ــ جمود عاطفي والذي يخلق حالات مختلفة من العناد وخصوصاً إذا كان حرمان من حنان الأمومة.
ــ ممارسة بعض الآباء للدكتاتورية، بالضغط على أبنائهم ومصادرة إراداتهم.
ــ فرض الآباء على الأبناء قناعاتهم ونمط تفكيرهم، وطريقة حياتهم الخاصة التي ليس لها مبرر.
ــ طبيعة المراهق وتكوينه النفسي والسلوكي، ومستوى التعليم والثقافة.
روضة السويدي

