يحضرني في هذا المقام ما قاله محمد النشاشيبي في احتفالية أمير الشعراء في العام 1927: «لا تلوموا العربية، بل لوموا أمّة ضعفت؛ فضعف قولها، وذلت، فذلّ شعرها « وبعد أن يصف واقع الأمة المؤلم يكرر تشخيصه: لا تلوموا العربيّة، بل لوموا أمّة...».
والمتتبع للمؤسسات المختلفة، بدءاً بمؤسسة الأسرة، ومروراً بمجالس الأقران، ووقوفاً عند ثقافة الشارع ولافتاته، ومتابعة للمؤسسات الإعلامية والمواد المطروحة وألسنة مروجيها، وتقويماً موضوعياً للملتقيات الثقافية يشعر بخيبة الأمل، وقد يصل بحصافته إلى التحديات الآتية:
أولاً - المؤسسة الأسرية
إن المؤسسة الوالدية من أهمّ واحات الغرس، والرعاية، والعناية، والتعهد، نظراً إلى أن الطفل منذ أن يبصر نور الحياة وهو لصيق بأبويه، إنْ رضع، أو لعب، أو أكل، أو استحمّ، أو ارتحل مع عائلته في رحلة ترويجية، أو تواصل مع الأرحام، أو الأقارب، أو الجيران، أو فرح، أو تابع مشاهداته المتلفزة، أو ذهب إلى مدرسته، أو عاد منها، أو ذاكر دروسه أو راجع معلميه، أو جاع، أو مرض، أو حزن، أو نام.
وهذا التوصيف ليوم طفل يجعل مؤسسة الأسرة المستنبت الرئيس لهذا البذر الذي يحوج الوعي، والتربية واليقظة والاستقامة ورعايته بحصافة، وأمانة، فالطفل يملك من أساليب التقليد والمحاكاة ما يجعله يختزن جميع الخبرات: سمينها وغثها، ما يسهم في تشكيل كينونته، وبنائه السيكولوجي والنفسي اللذين يؤثران في نموه المتكامل بل ومسيرة حياته ومستقبله.
وسنداً، فإن الأسرة معنية بأن تصب في آذان وليدها مذ باكورة حياته لغة دينه وقيم مجتمعه وعاداته، لأن الأذن بداية التربية، كما قال ربّ العزّة في محكم كتابه: (إن السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا)، ومعنيّة بألا تُري أبناءها إلا الجميل، وألا تترك في نفسه إلا المشاعر النقية الصافية، وهكذا كانت المرأة المسلمة تعوّد بنيها على سماع أمجاد أجداده وآبائه، وتنميه على إيقاع شعر الفخر والشجاعة والكرم والإقدام.
ومما يضاعف فداحة المأساة أن نجد مظاهر تقوّض دور الأسرة، ومنها:
* الإيغال في العامية لدى التواصل بين أعضائها.
* إهمال لغة كتابه الكريم بانعدام تربية الأبناء على سماعه وتوظيف مفرداته.
* اضطلاع الخدم العجم بتنشئتهم ورعايتهم، بل وتعليمهم أكثر من ذلك.
* قلة الأوقات التي يخصصها كثير من الآباء للالتقاء ببنيهم لمناقشاتهم.
* ضعف الاتصال مع الكتّاب، ما يجعل بعض البيوت يبابا والعقول خاوية.
* التواصل السلبي مع الوسائل التقنوية الحديثة.
.. كل ما أنف ذكره وغيره جعل الدعامة الاجتماعية الأولى جدباء من البيان والبلاغة، فقراء من النموذج الذي يحاكيه فلذات أكبادنا، شحيحة من الثروة اللغوية، فقلّ إقبال الناشئة على المطالعة، وركّت ألفاظهم، واستحيت تعبيراتهم، وضعفت تراكيبهم، فخدش حياء لغتهم، وشابتها ألفاظ العجم، وما أصعب على الحرة أن تستغيث بأهلها!
تأمّل هذه الفقرة لتشخيص الخطر الداهم باللغة:
لدى إحدى زياراتي الميدانية، لفت انتباهتي ما خاطب به عربيّ عربياً، فاعترتني الصدمة التي دفعتني لأن أنتصر للغتي من مدخل النصيحة، فتأمّل هذا الخطاب الشعبي:
اذهب يا صبي إلى البارك وأدخل الباص حتى يصل الدريور وزيل الكشرة، ولا تلعب بالدركسيون والبريكات والليتات.
أليس من المخجل حقاً أن تسمع هذه العبارة عن عربيّ إلى عربي في بلاد العرب؟!
وحين لفتّ انتباه القائل، وقعت الصاعقة، إذ كان لساني غريباً وأنا أحاول أن أنتصر لعذرية لغة بنت عدنان:
اذهب، يا صبي إلى الموقف، وادخل الحافلة، حتى يصل السائق، وأزل الفضلات، ولا تلعب بالمقود والكوابح والأضواء.
ثانياً - المعادلة المعكوسة
حري بالوافد الأعجميّ أن يستقصى ويجتهد ليعرب لسانه بحثاً عن تكيّفه مع المجتمع الذي يعيش فيه، وما أشقّ أن يكون المضيف صاحب الأرض وولي نعمة هذا البلد - بعد المولى - يطوّع لغته، ويلوي عنق لغته، ويتنكّر لها، فيُعيد تشكيلتها البديعة، ويخلع عنها ثوباً مستعاراً، وأصباغاً نافرة، حتى يتكيف مع مخدومه، فاعوجّ لسانه، وروّضه لهم، وكأنّنا في ديارهم ونخدمهم، ولله درّ القائل:
وقد زادني همّاً وغمّاً وعلّةً
نهاري رأى قلبي أسير لساني
فواز فتح الله الراميني
منطقة رأس الخيمة التعليمية