لن يتبادر لذهن أحد ولو للحظة واحدة أن موقع قرية المعرفة كان مجرد مساحة تغطيها الكثبان الرملية وبرك من رشح ماء البحر والأعشاب البرية التي كانت تعيش على المياه المالحة قبل عقدين من الزمان.
وتحولت من منطقة ليس لها أي اسم على أية خارطة إلى صرح علمي كبير يتردد عليه آلاف الطلبة ويزخر بأبنية شامخة ذات سمات عمرانية وهندسية متميزة قد لا يتوفر لها مثيل في العالم. ولم يكن يخطر ببال أحد من جيلنا قبل ثلاثة عقود أن المكان سيصبح حاضنة لأهم المؤسسات العلمية والتدريبية، لم تعد هناك صحراء، بل أبنية شامخة تمثل كل ألوان الطيف الثقافي والعلمي.
وعلى مقربة من البحر تتحول الصحراء إلى جنة غناء وبرك مياه ومكان تفوح منه العطور والرياحين. وهنا يتعاظم فرحك ويزداد فخرك ببلدك، ويصغر العالم في عينيك وتتمنى لو تطول إقامتك في ربوع المكان وهنا تعتريك مشاعر الوحشة، وتتمنى لو رجعت عقارب الساعة في حياتك لتبدأ مشوارك في الحياة هنا من جديد. وهنا تتمثل الحقيقة كاملة، بعيدا عن الخيال والنظريات غير القابلة للتطبيق.
لقد باتت قرية المعرفة أو مدينة المعرفة أمة المعرفة ، سمّها ما شئت، فهي أم القرى من منظور المقارنة بمفهوم مناهل العلم والتحصيل الثقافي والتربوي في المنطقة العربية. فهنا تجتمع المؤسسات العلمية من الشرق والغرب على حد سواء. ويبهرك في كل وحدة عمرانية حسن المكان وعبقرية تقسيم المباني التي تحولت إلى سلسلة مترابطة كالعقد الفريد الذي تغرق في فرادة جماله قبل أن تنقل للتعرف إلى مضمون المكان.
ويلفتك في القرية ذاك التمازج الفريد الذي يشكل فسيفساء مجتمع الجاليات المقيمة في دبي والقادمة من الخارج للدراسة . فعلى سبيل المثال، يدرس في أحد الجامعات فتيات وشبان من مختلف الأجناس الذين يعيشون في دبي وتأسرك السحنات المختلفة التي تنتقل بخفة وعزيمة من مبنى جامعي إلى آخر أو بين المنتديات المختلفة.
وللمكان سمة خاصة تتمثل في الباحات والنوافير التي تزين المسطحات الخضراء وأحواض الزهور، وهي بيئة مثالية لتحصيل العلم بهدوء وسكينة والتفرغ تماما لنهل العلم . ويلاحظ الزائر الطلبة وقد انتشروا على مساحة امتداد الحرم الجامعي وتراهم يتنقلون وقد ثقلت الكتب بين أيديهم فتراهم تارة جالسين في الصالات الكبيرة المجهزة بكل وسائل الراحة.
وفي المكتبات أو في المقاهي التي يسترخي فيها الطلبة ويقضون أوقاتهم في تجاذب أطراف الحديث أو مناقشة أمور ذات صلة بعلومهم، وتأسرك ابتساماتهم وفرحهم اعتزازا بالمكان ورقيه ويطالعون كتبهم وهم يصغون إلى ألحان موسيقية من النوع الراقي الذي يغذي الرغبة في التحصيل والعلم. المسئولون في قرية المعرفة يعتبرون كل المؤسسات المحلية والأجنبية في القرية شريكا حقيقيا يسهم في هذه النهضة الاستثنائية التي أبدعتها مخيلة عبقري وصاغتها عقلية فريدة.
واحة علم
تتكئ هذه القرية على العشرات من الجامعات العالمية الشهيرة ومعاهد التدريب الممتازة التي تحمل رايات التقدم والمعرفة بألوان مختلفة فهناك مؤسسات علمية مثل كيه 12 التي تستند في تعليمها على ثقافة تقنية أساسية تتراوح ما بين العناية بأطفال الحضانة حتى المراحل الثانوية ومنح الطلبة على مختلف أعمارهم تعليما متميزا كاملا في بيئة ينسجم معها الطلبة نفسيا وعلميا.
تقع القرية على امتداد كيلو متر وجاء إطلاقها في العام 2003 إنجازا وضع المنطقة العربية على خارطة التميز العلمي، وتتمتع القرية ببيئة علمية مثالية إذ تشمل كل أنواع المعرفة ومراكز التدريب والكيانات التي تدعم الحياة الثقافية والعلمية في الدولة، وجاء إنشاء القرية تتويجا لإستراتيجية اقتصادية بعيدة المدى ولتسريع الحركة وصولا إلى اقتصاد قائم على المعرفة.
وتفخر القرية بشركاء بينها مؤسسات علمية مملوكة لأجانب مائة في المائة ولها مطلق الحرية في استعادة كل إمكاناتها وأرباحها في حال قررت المغادرة أو نقل جزء من نشاطها إلى الخارج، كما يمكن للعاملين فيها الحصول على تأشيرات إقامة بمطلق السهولة.
وتضم القرية تسهيلات ومرافق ذات مستوى رفيع ندر مثيلها في العالم يستخدمها الشركاء في القرية والطلبة فضلا عن مرابع لتقديم الطعام ونواد رياضية للعناية بالصحة، وشركاء القرية ينتمون إلى جنسيات مختلفة فهناك الروس والإيرانيون والبلجيكيون والإنجليز والأيرلنديون.
ويصل عدد الشركاء إلى 350 شريكا ويتراوح ما بين مراكز التدريب والجامعات والمراكز الحرفية وشركات الموارد البشرية. وهي المنطقة الحرة الوحيدة في العالم التي تركز تركيزا شاملا على التدريب والتعليم.
تنوع ثقافي
تعمل في الجامعة هيئة تدريس ينتمي أعضاؤها إلى 30 جنسية مختلفة أما طلبتنا فينتمون إلى 80 جنسية مختلفة.وبالتحديد 82 جنسية. ونقوم بتوفير السكن لطلبتنا خارج قرية المعرفة وقد جهزت الجامعة بأحدث التقنيات المستخدمة في التعليم ومن بينها مكتبة متطورة جدا وهي تقع في طابقين.
والحقيقة نجحنا في إنجاز قفزة واسعة خلال السنوات القليلة الماضية بفضل تلبيتنا لمتطلبات السوق. ويستطيع طلبتنا تكملة دراساتهم في استراليا ونسعى اليوم لتوفير بيئة مناسبة لتدريس درجة الدكتوراه. ولدينا برامج دراسات لتقوية الطلبة في مجال اللغة الإنجليزية لضمان قدرة الطالب على متابعة دراسته . ويتلقى الطالب دورات في اللغة تستمر خمسة أسابيع بعدها يخضع لامتحان للتأكد من قدرته على الدراسة باللغة الإنجليزية.
محمد نبيل سبرطلي

