لا يسع مرتادي طريق البحر في الشارقة حديثاً إلا التوقف للتأمل في التحفة الفنية التي تعكس وبمجرد النظرة الأولى الطابع الإسلامي لها من حيث التصميم المعماري أو الزخارف المميزة التي زينت بها الجدران، لتكون رسالة تدفع المتأمل إلى قراءة ما يحتويه هذا الصرح (متحف الشارقة للحضارة الإسلامية) من مقتنيات إسلامية عالمية ونادرة تجمع جميع مراحل التطور التي مرت بها الحضارة الإسلامية إلى فترة قريبة من الآن وتبرز في الوقت نفسه مدى تأثرها وتأثيرها بالفنون والإبداعات الأخرى التي عاصرتها وكيف تمكن أن تحافظ على جوهرها وهويتها بل ويبدع الفن الجمالي الخاص بها الذي خُلد على مر العصور.

ويضم المتحف مقتنيات نادرة لا تقدر بثمن معروضة ومشروحة بأسلوب جديد رائد قد تحتذيه المتاحف الإسلامية مستقبلا. واختيرت معروضات المتحف لا لمجرد جمالها الفني بل لصفات أخرى أيضاً؛ فأهم ما يميز معروضات متحف الحضارة الإسلامية في الشارقة هو ما تحمله من ذكريات قديمة عن أسلوب حياة كاد يندثر وسط موجة متصاعدة من العولمة. فأهم ما يميز معروضات متحف الحضارة الإسلامية في الشارقة هو ما تحمله من ذكريات قديمة عن أسلوب حياة كاد يندثر وسط موجة متصاعدة من العولمة، ومن بين أهداف المتحف تذكير الجيل الجديد بأسلوب حياة وأجدادهم. كما يشكل المتحف حلقة وصل بين بلدان المنطقة ومرجعا لكثير من الباحثين حيث يضم مقتنيات من أكثر من بلد إسلامي تمثل الكثير من الحقب التي مر بها الإسلام عبر تاريخه منذ ظهوره في شبه الجزيرة العربية مرورا بالدولة الأموية ووصولا الى الدولة العثمانية ودولة المماليك وغيرها من الدول التي حملت كل منها طابعا خاصا ميزها عن غيرها. ويضم رواق العقيدة الإسلامية في المتحف عددا من المصاحف والمخطوطات الاسلامية والنماذج المعمارية المختلفة ومجموعة من الصور التاريخية للحج. ويتعاون المتحف مع مجموعة من الخبراء لنقل مهاراتهم الى الجيل الجديد من مواطني دولة الإمارات.

استقطاب الزائرين... ولهذه الأسباب وغيرها أصبح متحف الحضارة الإسلامية وبالإضافة إلى موقعه المتميز مستقطباً كبيراً للزائرين حيث وصل عددهم وحسب أمينة المتحف عائشة ديماس وخلال شهر واحد تقريباً (وهو عمره الفعلي بعد افتتاحه من قبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة مطلع يونيو الماضي) إلى 6800 زائر. وقالت إن المتحف وخلال الفترة السابقة شهد إقبالاً ملحوظاً من زائريه الذين لم يقتصروا على المواطنين أو الجاليات العربية المقيمة في الدولة بل إنه اشتمل أيضاً على الزائرين من الجنسيات الأجنبية الأخرى الآسيوية منها والأوروبية وغيرها، كما أنه لم يقتصر على الفئات العمرية الكبيرة بل كان الزائرون من مختلف الشرائح العمرية وهذا يدل على مدى الأهمية لهذا المتحف الذي يجسد مرآة حقيقية لعكس التاريخ الإسلامي والعربي المشرق. وبينت أن هذا المتحف يعد الأول من نوعه في الدولة ومن أهم المتاحف على مستوى العالم نظراً لما يحتويه من مقتنيات فريدة يصل عددها إلى خمسة آلاف قطعة إسلامية فريدة من جميع أنحاء العالم الإسلامي مرتبة بحسب موضوعاتها في سبعة أروقة فسيحة ومساحات عرض مناسبة.

كما أنه يتم حالياً تنظيم معرض (برلين للمقتنيات الإسلامية) والذي ينظم بالتعاون مع المتحف الإسلامي في برلين ويحتوي على قطع ومشغولات إسلامية وتحف فنية تعرض للمرة الأولى خارج ألمانيا، بالإضافة إلى المقتنيات التي يعرضها المتحف والتي تعتبر من أهم المعروضات الإسلامية على مستوى العالم، والتي يعرض بعضها للمرة الأولى في العالم ويعد ثروة فريدة ونادرة.

وذكرت ديماس أن المتحف يحتوي على صالات مميزة تقدم معلومات متكاملة وفنية عن الإسلام منذ مطلعه وإلى الآن ومرفقة بصور فنية مميزة خطتها ورسمتها أيادي أفضل الفنانين في العالم الإسلامي، بالإضافة إلى تقديم عروض مسموعة ومرئية تسهم في تعميق التصور لدى زوار المتحف عن الحضارة الإسلامية في جوانبها المختلفة.

مبينة أنه سيتم تخصيص صالة خاصة للقرون الأولى من الفن الإسلامي وتعرض فيها الخزف والأعمال المعدنية والزجاج والفنون الصغيرة، التي ظهرت في العالم الإسلامي بين القرنين الأول والسابع الهجريين، وتبرز التوسع الجغرافي للحضارة الإسلامية منذ انطلاقتها من شبه الجزيرة العربية لتصل إلى كثير من دول العالم.

وأشارت إلى أن هذه المقتنيات تعد نماذج فنية للمشغولات الإسلامية التي تبين تأثرها في البداية بالنماذج الفنية الإغريقية والفارسية لتنطلق بعدها لتأسيس فن إسلامي خاص يعكس روح العقيدة الإسلامية، من خلال التركيز على الخطوط العربية والزخارف التفصيلة مقابل الاستغناء عن الفنون التي تحتوي على الصور المختلفة.

الأسلحة القديمة

وأوضحت أن المتحف يحتوي على صالتين لعرض الأنشطة الوفيرة للحرفيين وصانعي الأسلحة على مدار القرنين الثالث والرابع الهجريين وأثناء القرون اللاحقة والتي تبرز نجاح حركة التبادل بين الشرق والغرب.

كما يحتوي على صالة تضم قطعاً إسلامية صنعت في الفترة الزمنية الممتدة من القرن الثامن الهجري إلى أواخر القرن الثالث عشر الهجري، والتي تحتوي أيضاً على قطع مميزة للغزو المغولي للأراضي الإسلامية الشرقية، والتي تعتبر من أبرز المعروضات، كما تعرض الصالة رداء مغولي يعود إلى الحقبة التاريخية ذاتها وقطع معدنية وخزفية تعود إلى عهد المماليك والصفويين والعثمانيين.

ستارة الكعبة المشرفة

وبينت أن المتحف يتكون أيضاً من مجموعة من الأروقة والقاعات وهي قاعة العلوم والمخترعات التي تزخر بالإنجازات البارزة لعلماء المسلمين في معظم أرجاء العالم الإسلامي وإسهاماتهم في مختلف ميادين العلوم مثل الفلك والطب والجغرافيا والعلوم الطبيعية والعمارة.

كما تحتوي القاعة العلمية على أدوات علمية معدة بدقة عالية لتجمع بين النماذج العاملة والتفاعلية بما يسمح للزائر بتجريبها بالإضافة إلى دراستها والإطلاع عليها بشكل عميق، كما يحتوي على رواق العقيدة الإسلامية الذي يضم أركان الإسلام الخمس وقواعد العقيدة الرئيسة، بالإضافة إلى احتوائه على معروضات بارزة كالمصاحف والمخطوطات الإسلامية والنماذج المعمارية وعدد من الصور التاريخية النادرة للحج في مكة المكرمة كما يضم غطاء الكعبة المشرفة (الستارة) والتي تعتبر من أبرز مقتنيات المتحف.

وقالت: لم يقتصر المتحف على هذه المقتنيات فقط بل إنه ونظراً إلى شموليته فقط ضم أيضاً قسماً خاصاً للمسكوكات الإسلامية المعروضة بأشكال خاصة وموزعة على طول القاعة الرئيسة عن طريق خزانات مخصصة لهذه النماذج من المعروضات، مبينة بأن هذه المسكوكات تحتوي على عملات أولية كانت في زمن حكم الخلفاء الأمويين في القرن الأول الهجري والسابع من الميلاد، بالإضافة إلى غيرها من العملات الإسلامية والتي تبرز في مجملها تطور الفن الإسلامي في إبراز الجوانب الجمالية المختلفة في هذه المسكوكات.

موقع متميز

ورأت ديماس أن اختيار سوق المجرة الذي يمتاز بموقعه المتميز في قلب إمارة الشارقة وبإطلالته المميزة أيضاً على خور الشارقة إلى متحف يجسد الحضارة الإسلامية في أروع الصور التي قدمتها للعالم أجمع، كان عاملاً مهماً في تحقيق الإقبال الكبير من أفراد المجتمع لزيارته، مبينة أن السوق يعد الأول من نوعه في منطقة الخليج العربي الذي يحتوي على عناصر التصميم التقليدية والعربية الإسلامية.

كما بينت أنه افتتح أول مرة أمام الزوار في عام 1987 ليصبح على الفور علامة مميزة ومشهورة ومعروفة بين أهالي الشارقة وبين الزوار الذين يقصدون هذه الإمارة للسياحة. وأوضحت ديماس في نهاية حديثها أن هذا المتحف يفتح أبوابه أمام جميع الزائرين الراغبين في التعرف على الجوانب المضيئة والمشرقة في الحضارة الإسلامية التي تركزت في الإنجازات التي أبدعتها أنامل وعقول العلماء والفنانين المسلمين، وليكون بالتالي حلقة تواصل بين جميع الحضارات التي عاصرها الإسلام وترك أثره الواضح فيها.

تصميم

معروضات بديعة بين جوانح المتحف

يتكون متحف الشارقة للحضارة الإسلامية من طابقين، ويضم الطابق الأرضي في جانبه الأيمن رواق العقيدة الإسلامية الذي يشرح أركان الإسلام الخمسة وقواعد العقيدة الرئيسية من خلال الصور والمعلومات والشاشات الذكية، كما تضم المعروضات البارزة في هذا الرواق مصاحف ومخطوطات ونماذج معمارية وسلسلة شائقة من الصور التاريخية لرحلات الحج ومناسكه، أما القطعة البارزة في هذا الرواق فهي كسوة الكعبة المشرفة المعروفة بالستارة.

وفي قاعة (العلوم والاختراعات) تتكشف جوانب متعددة من الإنجازات البارزة للعلماء من معظم أرجاء العالم الإسلامي وإسهاماتهم العظيمة الأثر في مختلف العلوم، مثل الفلك والطب والجغرافيا والعلوم الطبيعية، كما تحوي القاعة أدوات علمية دقيقة مع نماذج عملية لبعض الأفكار والاختراعات التي ساهم العرب والمسلمون من خلالها في تدوير عجلة الصناعة في أوروبا وبلدان العالم الأخرى.

وتميزت ردهة الطابق الأرضي للمتحف بعرض مجموعة كبيرة من المسكوكات الإسلامية المحفوظة في سلسلة من الخزانات البارزة على طول الردهة، وهي مسكوكات يعود تاريخ بعضها إلى عهد الخلفاء الأمويين في القرن الأول الهجري، ويصاحب عرض المسكوكات معلومات مهمة حول الأوضاع المالية والاقتصادية في تلك الأزمان البعيدة.

أما الطابق العلوي من المعرض فيضم قاعات عرض تخصصية حول فنون ومقتنيات القرون الأولى للإسلام، وهي مقتنيات تشمل أعمال الخزف والمعدن والزجاج، بالإضافة إلى نماذج فنية إغريقية وفارسية متأثرة بتيارات الفن الإسلامي وشغفها الروحي الواضح في أعمال الخط والنقش والمنمنمات والفسيفساء والزخرفة التفصيلية التي حلت محل الصور التجسيدية.