في الصيف، وعندما تشتد الحرارة، أفضل الانزواء إلى الداخل بدلاً من الانفتاح على الخارج. الداخل هو النفس والجسد والروح والأسرة والعائلة. أما الخارج فهو المعلومات التي تتدفق كالسيل، وبخاصة أخبار الدار التي تكتظ إما بإصدار القرارات، أو بإنشاء هيئة أو مؤسسة جديدة، أو بالحوادث والتجاوزات وغيرها من أخبار لا تجد لها مكاناً في كأس استيعابي خلال فصل الصيف.
أما الأخبار الترفيهية ـ وهي بالنسبة إليّ الإعلام المختص بالحيوانات والطبيعة والصحة ـ فتجد الكثير من الترحيب من قبلي خلال فصل الصيف. فلا أجمل من الاستلقاء على الأريكة والغوص في مخداتها لمتابعة مشهد لفيلم وثائقي مع الأطفال، ولا أحلى من البحث في صفحات الإنترنت عن الأخبار الصحية التي تستهويني.
ما أجمل أن يتواصل أحدنا مع نفسه ومع جسده وروحه بعد طول غياب، وما أجمل أن يتواصل مع أفراد أسرته وعائلته في جو يسوده الاطمئنان. وما أجمل أن يتواصل أحدنا مع النباتات في مملكته وحتى الجمادات. فغسالتي التي تواصلت معي طالبة إصلاحها كان عطبها بسيطاً أصلحته في ذات الوقت. أما جهاز استقبال القنوات التلفزيونية، فقد كان يحوي الكثير من القنوات الفارغة التي هجرت مكانها واستطعت استقبالها وإصلاحها.
أما الشجرتان على مدخل منزلي فقد تواصلتا معي عن طريق أوراقهما الصفراء. فعلمت أنهما عطشانتين في فصل الصيف الحار، وأن الماء الذي تحصلان عليه لم يعد يكفيهما. فحصلتا على مبتغاهما واخضر لونهما مجددا.
ابني ذو السنتين والذي كان جهازه التنفسي يتواصل معي طالبا للمساعدة، فقد كان يكح لمدة ثلاثة أسابيع متواصلة، وبالرغم من اصطحابي إياه إلى الطبيب ومداومته على الدواء إلا أن الكحة الرطبة لم تتوقف تماما لديه ليلا أو نهارا. فقللت جرعة الحليب الذي يشربه بكثير، وقمت بخلطه مع حليب الصويا، فاختفت الكحة خلال أيام. كما استطعت إقناع زوجي بتغيير نظامه الغذائي الذي يحوي الكثير من البروتينات الحيوانية والذي كان يشغل حيزاً كبيراً من تفكيري إلى نظام يغلب عليه البقول والنباتات والأعشاب والسمك.
خلال الأسبوع المنصرم، زرت وأطفالي الثلاثة أمي أربع مرات حاملة قدور الغداء في إحداها دون أن أصطحب الخادمة معي. كان التواصل جميلا، وكان التعاون أجمل في غياب الخدم. وذلك أمر صعب المنال خلال بقية فصول السنة.
أما جسدي المتعب الذي تواصل معي عن طريق تخزين التوتر في الرقبة والكتف والظهر العلوي، فقد كافأته بتدليك مفرغ للتوتر شكرني بعدها بإرخاء الأجزاء المتوترة، والعمل بفاعلية أكبر.
باختصار، الصيف جميل. فهو يعطينا الفرصة لإفراغ توتر عام كامل، ولإنعاش الروح والفكر والجسد. أما المفتاح إلى ذلك كله هو التواصل الحسن مع ما حولنا من معطيات عن طريق تصفية الذهن تماماً إلا من كل ما هو إيجابي.
