في كل مدينة تتسامى في سلم النهضة والحضارة يظهر جلياً ذلك التنافس المحموم بين مستلزمات الحضارة والتقدم العمراني الهائل وبين الحفاظ على الهوية العمرانية التراثية التي تمنح البلد صبغة المحلية عبر الأسواق القديمة ودكاكين الأحياء النابضة بالتواصل الإنساني..
ولعل هذا التنافس هو ما جعل الكثير من الأصوات تتعالى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الهوية الثقافية العمرانية والطابع المحلي التراثي حتى لا يضيع أمام تغول سطوة الأبنية الحديثة بما تحمله من أنماط هندسية جديدة.. ولعل تجربة دبي كانت رائدة في الحفاظ على الصبغة التراثية المعمارية على الرغم من دخولها الأرقام العالمية في هندسة الأبراج وبنائها حيث أنفقت مئات الملايين على ترميم المباني القديمة والتاريخية والتراثية..
وقد دعا المهندس عبدالله عطاطرة رئيس مجلس إدارة بنيان الدولية للاستثمار علماء الاجتماع في المنطقة لدراسة الآثار الاجتماعية والنفسية والثقافية لموجة الحداثة العمرانية التي تجتاح المنطقة عموما والخليج على وجه الخصوص.وقال: «إن التنافس اشتد مؤخراً بين مدن دول مجلس التعاون على إحراز قصب السبق في عدد ناطحات السحاب وكبر حجمها ليصبح ظاهرة ملفتة للنظر.
ولذلك، وقبل أن تستفحل الجوانب السلبية لهذه الظاهرة، يجب على القطاع العقاري في دول المنطقة الاقتداء بتجربة دبي التي أطلقت العنان للطفرة العقارية الثانية لكنها لم تغفل الحفاظ على هويتها التراثية فأنفقت مئات الملايين على ترميم المباني القديمة والتاريخية والتراثية.
ولفت إلى أن الأرض باتت تواجه تحديات كبيرة كارتفاع درجات الحرارة بالإضافة إلى مليارات أطنان الاسمنت والحديد المستخدمة في تشييد المدن، وأشار إلى أن المعماريين بدأوا يفكرون بالطريقة المناسبة التي قد تقودهم إلى ابتكار نظام هندسي مشابه للحمية الغذائية» بهدف ترشيق المباني وتقليل استخدامات الاسمنت والحديد وفيها».
واستشهد عطاطرة بآراء الدكتور علي محمد فخرو أحد الأكاديميين المعماريين الخليجيين والذي أشار في دراسة له بهذا الصدد إلى أن «هناك مرض التقليد الأعمى الذي لا نريد أن نشفى منه من جهة وهناك في نفس الوقت عدم القدرة على التحسس المبكر لتوجهات المستقبل الجديدة في المجتمعات التي نقلًّدها من جهة أخرى».
وقال: كل مدن العالم تقبع وراء أقنعة تخفي ملامح وجهها الحقيقي وصورها ليست إلا مرآة تعكس ما هو أمامها ولكنها تخفي ما هو خلفها. وهذا ينطبق على ما نشاهده من صور تنشرها الصحف وأفلام نشاهدها على التلفزيون للمدن الكبرى في دول مجلس التعاون.
ونقل المهندس عطاطرة عن فخرو قوله: «في تلك الصور والأفلام تبدو مدن الخليج مشابهة تماماً لمدن الحداثة في دول الشرق والغرب المتقدمة، شوارع واسعة تتقاطع معها جسور معلقة، ناطحات سحاب مرتفعة في شكل علب كبريت مضغوطة تحتل وسط المدن أو تنتصب شامخة في شكل مجمعات وظيفية كمجمعات الإعلام أو البنوك أو الترفيه، وبينما تنتشر تلك الحداثة المعمارية تختفي الأسواق القديمة ودكاكين الأحياء النابضة بالتواصل الإنساني».
هذه الصورة تمثل الانتقال إلى مرحلة جديدة في بناء المدن الخليجية بعد أن صرفت الحكومات السنوات الأولى من حقبة البترول في تأسيس البنية التحتية من كهرباء وصرف صحي إلخ... إنها مرحلة الحداثة المعمارية التي ترتكز على التفكير المنادي بأن يخضع تخطيط المدن وبناؤها لمعايير كبرى وإنشاءات ضخمة ذات تقنية عالية وعمارات خالية من أية زخرفة أو شخصية.
فالبناء الحداثي المكثف ذو النمط الواحد والذي لا يراعي اختلاف الأذواق ولا يعترف بأهمية التاريخ، ولا من الانتقال إلى تخطيط وتصاميم ما بعد الحداثة التي ترفض النمطية والأحادية في البناء وتهتم بالأذواق الفردية وبتاريخ التراث العمراني للمجتمعات وبالزخرفة، بل وبالأذواق الشعبية.
وهناك توجه عند البعض، من أجل أنسنة المدن، أي أن تصبح المدينة عبارة عن مجموعة من الوحدات الصغيرة المتكاملة التي تلبي أغلب حاجات الإنسان اليومية وتجعل تنقله في المدينة محدوداً وتخفٍّف من فوضى وتزاحم حركة المرور. ولذلك فإننا في الواقع قد وصلنا متأخرين ونركب نهاية موجة الحداثة العمرانية التي في طريقها للانتهاء بدلاً من ركوب الموجة الجديدة. وقال العطاطرة: إن هناك حاجة ملحة لأن ينبري علماء الاجتماع في المنطقة لدراسة الآثار الاجتماعية والنفسية والثقافية لموجة الحداثة العمرانية عندنا.
ذلك أن تجارب البلدان الأخرى أظهرت أن تواجد المباني الشاهقة الفخمة والبيوت الكبيرة، والتي جميعها تمثل ما يعرف بالرأسمال الرمزي الذي يملكه في الغرب أصحاب المال والجاه والسلطة، تواجدها بجانب مساكن المجموعات الفقيرة المعدمة بما فيهم جيوش العمال الأجانب المقهورين قد أدى إلى انفجارات غضب وحوادث شغب وعنف في تلك المدن، وبكل تأكيد لا يمكن إسقاط هذه النقطة على المنطقة الخليجية لعدم وجود طبقات فقيرة ومعدمة نظرا للمستوى المعيشي الذي يعيشه المواطن الخليجي.
ولا شك أنه في المدن والأحياء السكنية التي تبنى لذوي الدخل المحدود هناك حاجة للابتعاد عن النمطية والأحادية في التصاميم، خصوصاً وأن التصميمات من خلال الكمبيوتر تسمح بالأخذ بعين الاعتبار أذواق الأفراد وتنوع الاستعمالات والثقافات المحلية.
فالمدن هي في الأساس تنظيمات مكانية لخدمة أهداف اجتماعية ونفسية وجمالية للفرد وللجماعات على السواء وليست فقط للكفاءة الاقتصادية. والواقع أنه فيما عدا بعض المدن في الإمارات وسلطنة عمان التي تمتاز باهتمام ملحوظ بالتراث الجمالي العمراني، فان عمران المدينة الخليجية الحداثي يشير إلى عواقب مستقبلية يجب تلافيها.
