قضية زواج المواطنة من وافد لا تزال مطروحة للبحث والمناقشة عبر هذا التحقيق الذي يضيء جوانب أخرى منها عبر الحديث مع أصحاب الاختصاص المعنيين بدراسة مثل هذه القضايا.
فعلى الرغم من أن بعض النساء لا يجدن أي مشكلة في هذا الموضوع وأن العادة هي المستحكمة وتفرض حضورها على الرغم من القناعات العقلية، يقف على الضفة الأخرى البعض الآخر منهن يجدن أن مجرد وضع عوائق في طريق زواج المواطنات من وافدين يمثل تمييزاً أكيداً بين الرجل والمرأة في المجتمع، كما تؤكد ذلك كفاح نمر، مستهجنة هذا الرأي الرافض لزواج المواطنة من وافد ما دام أنه لا يوجد أي مانع شرعي يقف في طريق إتمام هذا الزواج، مؤكدة بأنه أحد السبل الكفيلة بالقضاء على ظاهرة العنوسة.ومن جانبها لا تجد العنود عبدالله.. موظفة.. أي غضاضة في زواج المواطنة من وافد إذا ما استوفى الشروط العامة التي يتطلب وجودها أصلاً في الزوج المواطن، متمثلة في الخلق والدين والوضع الاقتصادي الجيد، وأشارت إلى ضرورة إزالة أي عوائق تمنع مثل هذا الزواج سواء قرارات حكومية أم تقاليد اجتماعية ضاغطة.
وما يؤيد هذه المنطلقات البسيطة والواقعية رأي الداعية الإسلامي الدكتور أحمد الكبيسي الذي قال إن زواج المواطنة من أجنبي جائز شرعاً استنادا إلى الكثير من النصوص الشرعية منها ما يتعلق بالمساواة بين المؤمنين كقوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة) و (وإن هذه أمتكم أمة واحدة) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ولا فضل لعربي على أعجمي ...) ( وكلكم لآدم وآدم من تراب ) ومنها ما يؤسس لقواعد اختيار الزوج في المطلق بقول النبي: ( وإذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه )،مشيرا إلى أن هذه النصوص - ومثلها كثير في الكتاب والسنة، تدل دلالة قطعية على أن زواج المسلم من المسلمة لا يشترط فيه جنسية معينة ولا مواطنة محددة، ولا قرابة من نوع ما، وبناء على هذا فإن زواج المواطنة من مسلم وافد صحيح بلا خلاف.
إلا انه لفت إلى مواصفات الكمال الأسري في الزواج المتمثلة بحسن اختيار الزوج دينا وثقافة وكفاءة وعاطفة ومصلحة.
لأن الزواج يرتب للزوجة مصالح عاطفية وأسرية واقتصادية واجتماعية ومن تلك المصالح أن يكون زوجها معروف النسب والأهل في مجتمع المرأة، وأن يكون لأبناء المرأة أخوال وخالات يعتزون بهم ويفتخرون بخؤولتهم، ومن تمام سعادة الزوجة أن يكون زوجها مرموقاً في مجتمعه، كفؤا في مستواه، ثقة في قوامته، قادرا على أن يقوم بها.
ويقيم حياتها عن طريق الإنفاق عليها، قال تعالى: ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم).
وأوضح بأن اهتزاز كل هذه المعايير الاجتماعية ربما أدى إلى نقص شديد في سكون المرأة واستقرارها، في ظل زواج وزوج لا تجد فيه عناصر ذلك السكون المنشود والاستقرار المقصود، خاصة إذا كانت المرآة من مجتمع موسر، ووسط متقدم، وظرف متطور وحينئذ من حق الأهل والأولياء والمسؤولين أن يحتاطوا لبناتهم بالتحقق والتدقيق والتوثيق.
الدراسات مفقودة
الدكتور علي مشاعل ـ مفتي بدائرة الشؤون الإسلامي والعمل الخيري في دبي ـ قال إن هذه المسألة تتعلق تعلقاً وثيقاً بالكفاءة الزوجية وأدلتها من الكتاب والسنة وأقوال العلماء ومذاهبهم فيها مع الإشارة إلى الأسباب الدافعة إليها وهي كثرة النساء، وزيادة أعدادهن على الرجال حسب الإحصائيات العامة والخاصة.
وظهور فئة العوانس وارتفاع نسبتهن في المجتمع وكذلك المطلقات والأرامل، وتوجه عدد من الشباب إلى الزواج من وافدات أجنبيات وعربيات ومسلمات مما يقلل فرص الزواج لدى المواطنات اللاتي لا يجدن من الفرص ما يجد الشباب.
كل ذلك وغيره يتطلب بحوثاً ودراسات في مشروعية زواج المواطنات من وافدين وحكم ذلك وحاجة المجتمع إليه اجتماعياً وواقعياً.
كما أشار الباحث احمد محمد الشيبة إلى ضرورة إضافة مفاهيم الزواج الصحيح في المناهج الدراسية، وتقديم دراسات معمقة حول الموضوع في مجتمع الإمارات، ونسبة الموضوع إلى جهات مختصة في التوجيه الأسري، بالإضافة إلى توجيه الإعلام إلى خدمة القضية بطريقة إيجابية.
القانون يضبط ولا يحرم
عبد السلام محمد درويش المرزوقي رئيس التوجيه والإصلاح الأسري في محاكم دبي أشار إلى عدم صحة ما يتم تداوله في وسائل الإعلام والمحاضرين بأن هناك منعاً لزواج المواطنة من أجنبي في الدولة، مؤكداً أن ما هو قائم فعلاً قرارات لضبط الزواج وتقييده بالموافقة الرسمية، لافتاً إلى أنه ومن واقع السجلات فإن هناك المئات من الحالات التي تتم الموافقة عليها سنوياً من خلال اللجنة المعنية، كما أن هناك فرقاً بين المنع النهائي وبين ربط الزواج بموافقة مسبقة من الجهات الرسمية.
وطالب المرزوقي باستصدار لائحة تنظيمية واضحة لتنظيم زواج المواطنة من أجنبي بحيث يتضح للجمهور شروط القبول أو عدمه، وما هي الأمور الواجب توافرها، وماذا يتوقف على هذا الزواج حتى تكون المسائل واضحة لا تحتمل اللبس.
انطلاقاً من أن عمل اللجنة الحالي غير واضح من حيث آليات قبول الطلبات أو رفضها بالنسبة لمقدم الطلب، لافتاً إلى أهمية اعتماد هذه اللائحة ضمن قانون الأحوال الشخصية وان يكون من أعضاء اللجنة متخصصون في الجوانب النفسية والاجتماعية.
وأكد على ضرورة عدم توقيع الزوجة المواطنة التي اقترنت بأجنبي على وثيقة التعهد بسحب الجواز في حالة حصولها على الموافقة من الجهات الرسمية وإلا فما فائدة هذه الموافقة مع التوصية بمعاملة أبناء المواطنات معاملة المواطنين في التدريس والعلاج وغيره، مضيفاً بأن الأمر يستلزم استصدار قانون ينظم زواج المواطن من أجنبية على غرار قانون زواج المواطنة من أجنبي.
وأشار المرزوقي إلى ضرورة تفعيل دور مكاتب التزويج الرسمية التي تتبع الجمعيات النسائية وصندوق الزواج لإيجاد حل للعدد الكبير من الراغبين والراغبات في الزواج من المواطنين، مشدداً على أهمية إيقاع العقوبة الرادعة على القائمين على إجراء عقود الزواج العرفي خارج المحاكم لما فيها من إشكاليات شرعية واجتماعية وقانونية.
مقارنة إحصائية
خلال واحدة من أبرز الندوات الخاصة بهذه القضية التي نظمها مركز جمعه الماجد للثقافة والتراث في دبي أواخر العام الماضي أجرى عبد السلام درويش رئيس التوجيه والإصلاح الأسري في محاكم دبي مقارنة اجتماعية بين زواج المواطن من أجنبية وزواج المواطنة من أجنبي في الدولة جاءت النتائج على النحو التالي
1 ـ نسبة زواج المواطن من أجنبية إلى إجمالي زواج المواطنين هي ( 22 ) % في حين أن نسبة زواج المواطنات من أجانب هي (8) %.
2 ـ عدد الجنسيات التي اقترن بها المواطنون من أجنبيات هي (34) جنسية في حين أن عدد الجنسيات للأجانب المقترنين من مواطنات (12) جنسية.
3 ـ الأجنبيات المقترنات بمواطنين من مختلف المشارب والثقافات واللغات في حين أن الأجانب المقترنين بالمواطنين متقاربين في الثقافة واللغة والعادات والتقاليد.
4 ـ هناك نسبة لا بأس بها من الأجنبيات المقترنات بمواطنين غير مسلمات أو مسلمات بهدف الهروب من الولي في الزواج في حين أن الأجانب المقترنين بمواطنات مسلمون أصلاً.
5 ـ زواج المواطن من أجنبية غير مقيد بشرط أو موافقة مسبقة من السلطات وغير ملتزمين بحدود المهر، أما زواج المواطنة من أجنبي فلابد من الموافقة المسبقة من السلطات وبشروط محددة.
6 ـ نسبة الطلاق عند المواطنين المقترنين بأجنبيات وصلت إلى (30 %) ونسبة الطلاق بين فئة المواطنات المتزوجات من أجانب (11) %.
7 ـ في حالة الأجنبية المقترنة بمواطن فإنها تحصل على جنسية الدولة بالتبعية بعد عدة سنوات. في حين أن الأجنبي الذي تزوج بمواطنة فلا يحق له المطالبة بجواز الدولة بل وتتعهد الزوجة المواطنة بإمكانية سحب جوازها.
8 ـ في حالة اقتران المواطن بأجنبية فإن أبناءه يحصلون على جواز الدولة بمجرد ولادتهم في حين أن أبناء المواطنات لا يحصلون على جنسية الدولة ويتبعون والدهم في جنسيته إذا كانت له جنسية ويبقى من فئة ( بدون ) في حالة عدم وجود جنسية للأب.
9 ـ في حالة الطلاق فإن الزوجة الأجنبية التي لها أولاد من أب مواطن تأخذ حقوقها كاملة وتسكن في الدولة وتحضن أولادها ويكفلها أبناؤها ويلتزم الأب بالصرف عليها وعلى الأبناء. أما في حالة أبناء المواطنات فإن الأب يأخذ اولاده إلى بلده وعلى الأم المواطنة إذا رغبت في الحضانة أن تتبع الأولاد إلى مقر إقامة والدهم.
10 ـ غالبية الزوجات الأجنبيات المقترنات بمواطنين هن صغيرات السن وأعمارهن لا تتجاوز 28 سنة. في حين أن غالبية المواطنات اللواتي يتزوجن. من أجنبي تجاوزت أعمارهن الثلاثين سنة أو مطلقات، وقليل منهن في العشرينات من العمر. .


