أفهم جيداً أن يقتحم الرجال عالماً لطالما سيطرت عليه النساء كمملكة الطبخ.. وأن يحترفوا ابتكار أصناف الأطعمة التي لا تنافسهم فيها النساء.. لأن التذوق حاسة مشتركة.. وأعي بثقة أن ينخرط الآباء في دوامة تربية الأبناء.... لأنهم تقاطع أحلام الطرفين.. فلا بد من تقاسم محتوم في الأدوار.. أو تنافس يضعف دور الآخر..
ولكن ما لا أفهمه أن يجعل الرجل حرفته المرأة.. ويتفنن في تشكيلها.. وإبراز مكامن الجمال في طبيعتها.. وأن تبادله هي الثقة.. وتسعى إلى أن تتوج جمالها بلمساته.. متخطيةً بذلك مطبات الأعراف.. والتقاليد مستترةً بألف حيلة وحيلة.. سالكة طرقاً ملتوية.. قد تحرمها الجمال بلمسات رجالية. بدافع فضول «الحريم»®. استعنت بخبرات الآخرين.. واتجهنا نحو صالون «محمد الصغير» الكائن بفندق المروج روتانا بدبي في محاولة لسبر أغوار الظاهرة.. وإلقاء الضوء على الرجال المحترفين في جمال النساء.. ومرتادات الصالون من الحسناوات.. جاك حنا.. مدير الصالون وشريك بفروعه المنتشرة بالعواصم الخليجية، كان السؤال محدداً، «ما رأيك.. هل صحيح أن الرجال أشطر من النساء في ما يتعلق بتزيين النساء؟».
وكذلك كان الجواب «بالتأكيد الرجال أشطر، هيدي شغله بالفطرة، بعدين هذه المهنة تشابه الكثير من المهن التي احترفها الرجال، كالطب مثلاً، هناك العديد من الطبيبات ولكن تبقى الغلبة للرجال في العدد وفي الاحتراف، أعتقد أن المرأة موضوعة في إطار معين، ومسؤوليتها تكمن في مهام محددة». «ماذا تقصد بالتحديد؟»«أعني الأشغال اليدوية والحرفية لا تبرع فيها الكثير من النساء، وإن وجدن فهن قلة».
جاك يعتقد أن الرجل مرآة المرأة، هو أدرى بتفاصيل جمالها وبالطريقة الأنسب لإبراز نقاط القوة لديها، كما يتهم النساء بالغيرة من بعضهن، فمهما كانت إحداهن محترفة لن تظهر المرأة كما يفعل الرجل، «هل تقصد أن الغيرة تطغى على المهنية وتؤثر في سير العمل؟»، «في بعض الأحيان نعم، فالغيرة لدى النساء أمر وارد جداً».
تقطع الحديث إحدى العاملات بالصالون لتلقي التحية، «يبدو أنكم تستعينون بطاقم عمل نسائي»، «عندنا روزي، أخت رجال، فهناك شريحة كبيرة من زبوناتنا المحجبات واللاتي نخصص لهن غرفة احتراما لخصوصيتهن»، كما لم يخلُ الأمر من دعوة لزيارة الصالون والاستعانة بروزي التي توفر نسخة نسائية من خدمات الرجال لأننا من فئة المحجبات، فروزي كما يقول جاك تم تدريبها من قبل العاملين في الصالون.
ولكنه يؤكد في الوقت ذاته أنها لا تنافس زملاءها من الرجال، فهي تبذل كل ما تملك من طاقة ولكن يبقى الرجال متسيدين ومستحوذين على الفئة الأكبر من الزبائن، كما أكد جاك أنها تضيف حساً أنثوياً على المكان.. لا داعي لذلك.. فالمحل زاخر بالأنوثة في حضرة الجميلات، سؤال أخرته قليلاً ابتعاداً عن الاتهام بالسطحية، «ويا ترى تلك الزبونات من أي الجنسيات؟»«من جميع الجنسيات العربية والأجنبية»، «وماذا عن المواطنات؟»®. «هن الفئة الأكبر.. 40% تقريباً من زبونات المحل مواطنات»®.
كانت الصدمة كفيلة بتغيير مجرى الحوار، هذه المرة عن الوجه المظلم للمهنة، فكما لكل صنعة إيجابيات، هناك نصيب من السلبيات، لعل أبرزها كما يقول جاك النفس الضعيفة التي تسيطر على بعض العاملين في هذه المهنة، وساعات الدوام الطويلة، إلى جانب تحمل المزاج السيئ لبعض الزبائن، أما البعض فيحافظ على رزقه وعمله بالسمعة الحسنة، وما يثبت ذلك استمرارية العمل والسمعة الحسنة.
لطالما اعتُبر الحديث عن الماديات وما يكسبه الأشخاص من عملهم أمراً خاصاً.. ولكن الحديث عن إيجابيات المهنة حتم الوقوف على ما توفره هذه الصنعة من كسب مرتفع، فيقول جاك :«مادياتها منيحة، والدفع في هذه الحالة فوري، وليس هناك خوف من كساد البضاعة أو الخسارة، فالحساب أولاً بأول».
لا توجد امرأة قبيحة
يعتقد جاك أن احترافه المهنة يحتم عليه رؤية معينة، ويفرض نوعاً محدداً من التعامل، فهو كما يقول لا يعتقد بوجود سيدة قبيحة، بل سيدة لا تحسن إظهار جمالها، ومهنته تعتمد بالدرجة الأولى على الإلمام بالأساسيات الفنية للجمال، فكلما غيرت الشكل انعكس ذلك إيجاباً على الحالة النفسية والمزاج.
كما أن الاستمرارية في الاحتراف تتطلب اطلاعاً دائماً على مجريات الموضة العالمية التي تصدرها عواصم الموضة، مؤكداً أن الذوق العربي بدأ يكتسح الذوق العالمي، وأصبح الغرب يلجأ إلى الطريقة العربية التقليدية والغجرية في تصفيف الشعر، ورسم العين بالكحل الأسود، كما سعوا إلى إيجاد منتجات تتلاءم والحر الشديد في دول الخليج العربي، باعتبارها المنطقة الأكثر إقبالاً واستهلاكاً لمنتجات الشعر ومساحيق التجميل العالمية.
جولة في الصالون «الزغتور» كما وصفه جاك تعطي الزبونات انطباعاً بالرغبة في العودة مجدداً، مقاعد معدودة، أشعة الشمس تتسلل عبر النوافذ، وإطلالة على قلب المدينة.
ثقة السيدات
أما السيدات فتباينت آراؤهن حول ارتياد صالونات تجميل يعمل فيها رجال، إحدى الزبونات التي رفضت ذكر اسمها اعتبرته أمراً محسوماً لصالح الرجال، وقالت: «جاك أحسن واحد قصيت عنده شعري، الرجال مختلفون.. لهم لمسات مميزة وإيدهم خفيفة عالشعر، وحتى بالماكياج، هم أشطر، يعرفون كيف يظهرون جمال المرأة دون تكلف».
كارلا خوري صاحبة صالون نسائي، ترى أن المهنة ليست حكراً على النساء، فالمرأة يجب أن تثق بالصالون الذي تقصده دون النظر إلى جنس العاملين فيه، وقد تكون الغالبية من النساء تفضل الرجال لكونهم جنساً آخر، له نظرة مختلفة في الجمال قد كون أكثر صدقاً.
واعتبرت المجتمع الإماراتي بطبيعته المحافظة أقل تقبلاً لفكرة مصفف الشعر الرجل، وقالت «بينما في لبنان، الأولوية في المهنة للرجال، والنساء لا يثقن إلا بهم، ولذلك عدد العاملات في الصالونات من النساء قليل جداً، قد تكون نظرة المجتمع للمرأة هناك تختلف، فعلى الفتاة أن تكمل تحصيلها العلمي والالتحاق بمهنة تبدع فيها أكثر، كما أن المتعارف عليه عالمياً أنها مهنة للرجال، ولكن المجتمعات المحافظة حتمت دخول النساء».

