تأتي لذة المكان وحسنه من أهله، فالبيت بساكنيه، والسوق بزبائنه، والمقهى برواده، وفي المقاهي الشعبية القديمة يتميز المكان بحكايات الرواد الذين خاضوا تجارب الحياة وعرفوا أسرارها فيكون الحديث معهم مدرسة يتعلم منها المرء ويستمتع بالصحبة الجميلة التي تفتقدها علاقات زمن السرعة، لذا فإن المقهى الشعبي هو صف التعلم الحميم الذي يجمع المثل والحكاية والطرف والذكريات الجميلة التي تجمع الأصدقاء وتوطد علاقاتهم على مر السنين.

فكيف نرى مشهد المقهى القديم؟ وأين يجتمع الشواب بعد أن مرت السنوات وتغيرت الأماكن والوجوه؟

في دبي كان للمقاهي القديمة دور كبير في التواصل الاجتماعي والثقافي وحتى الأدبي بين أبناء الجيل الماضي.

وكانت بعض المقاهي تقام في الأسواق حيث يذكر المهندس رشاد بوخش مدير المباني التاريخية في بلدية دبي ورئيس جمعية التراث العمراني أن تلك المقاهي كانت تبنى من سعف النخيل ومن الدعون وفي متحف دبي نجد تجسيدا لصورة المقهى القديم، وكانت تلك المقاهي ومنها مقهى خميس على سبيل المثال تقدم الشاي والقهوة ثم دخل الكدو «الارجيلة الاماراتية» .

وكان المقهى لا يقتصر على فئة عمرية معينة حيث يجلس فيه كبار السن وكذلك الشباب، وفي بر دبي كان هناك مقهى في السوق يبيع المشروبات على العاملين في السوق والمحلات المحيطة وكان لا يستلم ثمنها نقدا وإنما تقدم تلك المحلات وصولات مختومة باسمها ثم يتقاضى صاحب المقهى حسابه آخر الشهر حسب عدد الأوراق التي استلمها من كل محل، وكذلك المقهى الشعبي في مجلس غرفة أم الشيف، وهناك مقهى شعبي في سوق مرشد يعود عمره إلى خمسين عاما أجريت عليه بعض التغييرات لكنه ما زال يحتفظ بتفاصيل الماضي ويشكل منطقة جذب للشواب يجتمعون فيه كل مساء.

أماكن تواصل

ويتحدث الوالد جمعة جعفر عن مقاهي دبي القديمة قائلاً: كانت المقاهي في الخمسينيات تقدم الأطعمة إلى جانب الشاي والقهوة وتكون أماكن تلك المقاهي خارج السوق حيث تتوفر مساحات واسعة للجلوس، وفي بداية سوق ديرة كانت هناك مقهى يديره شخص اسمه عبد الرحمن .

وكذلك كان مقهى رضا الذي عرف بتقديمه أفضل شاي سليماني وكان يرسل يوميا ابريق شاي إلى مجلس المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم لجودة شايه، وكان الناس يقبلون على المقاهي لأنها تمثل أماكن التجمع والتواصل بينهم ولكن الشباب اليوم ابتعدوا عن هذا النوع من المقاهي وصاروا يفضلون الجلوس في الأماكن الفخمة.

وصار كبار السن يجتمعون في مجالسهم الخاصة وفي جميرا بنيت عدة مجالس لكبار السن يجتمعون فيها ويتواصلون مع بعضهم، وقد ذهب زمان المقهى الذي نستمع فيه إلى الأخبار عبر الراديو ونتابع في حركة السوق وتفاصيل الحياة اليومية.

أما في إمارة الشارقة فنجد أن المجلس الشعبي المطل على البحر استطاع أن يستقطب عددا لا بأس به من الشواب الذين أنهوا سنوات عملهم وصاروا بحاجة إلى رفقة الأصدقاء والاستمتاع بأوقات الحديث معهم، ومنهم أحمد علي عبيد وهو متقاعد آثر الجلوس مع الصحبة الطيبة مع رفاقه .

حيث يقول: حين كنا صغارا كنا نذهب إلى البحر مع أهلنا فالمقاهي مخصصة للكبار وفي فريج الشيوخ وفريج السوق لم يكن هناك مقهى سوى قهوة سارباز وكانت صوب العرصة حيث تبيع النخي والباجلا ومختلف الأطعمة إضافة إلى القهوة والشاي، وصرنا اليوم نجتمع في المجلس الشعبي على البحر في الصباح والمساء حيث نتحدث عن الأسعار وأخبار الصيد والبحر والسفر وكل ما يستجد في البلد من أمور.

إبراهيم فرج يرى أن المقاهي اليوم تغيرت كثيرا ففي الماضي كنا نجلس مع الأصدقاء ونتواصل يوميا مستمعين إلى الأغاني القديمة، بينما لا نجد كثيرا من تلك التفاصيل، وحتى الأصدقاء لم يعودوا يلتقون في المقاهي لكننا نتواصل عبر زيارات البيوت والسؤال عن أصحابنا ونذهب في أحيان قليلة إلى المقهى أو المجلس الشعبي.

ومن المعروف أن قهوة سارباز القديمة انتقلت إلى كورنيش بحيرة خالد في الشارقة عام حتى 1982 حيث استمرت بتقديم المأكولات والمشروبات الشعبية وأخذت اسم القهوة الشعبية لكنها مع مرور السنوات وزيادة عدد رواد البحيرة لم تعد مقتصرة على المواطنين من أبناء الدولة فقد صارت ملتقى للشباب من معظم الجنسيات وابتعد عنها روادها القدماء الذين آثروا التواصل مع ابناء جيلهم في مجالسهم وبيوتهم.

مقاهي عجمان

لم تكن المقاهي الشعبية في عجمان هي المكان الوحيد لاجتماع الناس، حيث يذكر سامي المطروشي أن الناس كانوا يجتمعون في المجالس والمتاجر وقد كان بعض الرجال يجتمعون في دكان أبو خميس حيث كان يقع بمكان مستشفى الزهراء القديم، وأبو خميس تاجر معروف يستقبل أصدقاءه في دكانه حتى أصبح الجلوس في المساء من العادات اليومية لهم، وكذلك كان دكان عيال عبيد في الفريج الشرقي ودكان عقيل في فريج ميان.

وكانت هناك مقاهي معدودة في عجمان منها قهوة المصاليخ داخل الفريج الشرقي وقهوة كريف في منتصف السوق وكان الناس يستمعون فيها إلى الإذاعات العربية وكذلك أول إذاعة في عجمان التي أقامها راشد بن حمضة في بيته وكانت تبث الأخبار والأغاني القديمة وفي رمضان تبث تلاوة القرآن الكريم بصوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد.

وبعد أن كان الناس يجتمعون تحت ظلال الشجر ونعد قهوتنا بأنفسنا ونأكل من نخيلنا رطبا وتمرا طيبا، أصبح اللقاء اليوم لا يتم إلا في المناسبات والأعياد.

لقد كان المقهى القديم مجلس سمر وتبادل معرفي للكبار وعالما مليء بالدهشة للصغار ولم يعد موجودا في أسواق المدينة حيث غاب المهتمون به وعزف عنه الشباب ولم يعد سوى أثر في الذاكرة بعد أن كان عيناً.

دلال جويد