«صدقني إن حجم المعاناة بالنسبة لي كان كبيراً منذ تفتحت عيناي على هذه الدنيا، فبالإضافة إلى الإحساس بالدونية الذي عايشته بين زملائي في الشارع والمدرسة بسبب الأصول غير الإماراتية لوالدتي، كان هناك سبب مهم آخر للمعاناة والذي يرتبط بالفارق الواضح والكبير في السن بين والدي ووالدتي حيث وجدت نفسي ومنذ وقت مبكر من حياتي مسؤولاً بالكامل عن الأسرة بفعل عدم قدرة والدي على متابعة شؤون العائلة جراء تقدمه بالسن وعجزه عن إدارتها».

بهذه الكلمات المضمخة بالمرارة افتتح «عمر سعيد» حديثه معنا رداً على سؤالنا له حول نظرته لزواج المسنين المواطنين بنساءٍ صغيرات في السن هن على الأغلب وافدات على الدولة، أو ذهبوا إلى الخارج وعادوا بهن زوجات لهم، وعلى نطاق أضيق الزواج من المواطنات اللواتي امتطين قطار العنوسة مكرهات، لاسيما وأن عمر كانت له تجربة شخصية تركت كما يقول الكثير من الآثار السلبية على حياته وعلاقاته الاجتماعية. ويؤكد «عمر» بأنه عانى الكثير من الحرمان العاطفي لجهة الأب الذي كان غائباً وموزعاً بين العشرات من الأشقاء الذين جاءوا نتاج زيجات متعددة لوالده كان آخرها والدته الآسيوية، إضافة إلى الحرمان المعيشي جراء توزع ما يملكه والده على زوجاته وأبنائهم جميعاً.

موضحاً بأن محنته ازدادت اتساعاً عندما أصبح والده مقعداً وطريح الفراش فيما كان عمره لا يتجاوز الخامسة عشرة مما اضطره للعمل مبكرا لدى أحد أقارب والده الذي تعاطف معه ومع أشقائه وقرر مساعدتهم بمنحه فرصة العمل لديه في أحد المكاتب العقارية التي تعود ملكيتها إليه.

وأشار إلى أنه وبالرغم من كل الصعوبات التي واجهته فقد استطاع إكمال دراسته وتحسين أوضاعه الشخصية، فيما لم يوفق بقية إخوته في حياتهم، حيث دخل أحدهم سجن الأحداث ثم السجن للراشدين، فيما عمل بقية إخوته في أعمال ذات طابع اجتماعي متدن.

وعلى صعيد الزواج، قال عمر إنه مازال يعاني الأمرّين في سبيل إيجاد زوجة، مشيراً إلى أنه إذا ما وجد فتاة تقبل به يصطدم برفض أسرتها لشعورهم بالعار من مصاهرته كون والدته غير مواطنه، وفي بعض الأحيان ترفضه الفتاة نفسها لمجرد معرفة الأمر وخجلها من مواجهة زميلاتها بالأمر.

نظرة متدنية

هذه القضية الشائكة تأخذ حيزاً كبيراً من الهموم لدى العديد من الشباب والشابات الذين وقعوا تحت سطوة هذه المشكلة، حيث يروي الكثيرون قصصهم ومعاناتهم جراء وقوعهم في ظروف أسرية فرضتها حالات زواج آبائهم كبار السن من وافدات أجنبيات صغيرات السن وانجابهم أطفال منهن ثم لم يلبث هؤلاء الأطفال أن أصبحوا عبئاً على كاهل الأسرة، وبعد ذلك عندما صاروا شبابا ومراهقين على أبواب الزواج دخلوا في معاناة من نوع آخر.

فقد أشارت «الجازية أحمد» موظفة، بأنها عانت الكثير للحصول على الموافقة من قبل أسرة الزوج التي رفضت ارتباط ابنها بفتاةٍ والدتها آسيوية واستمر الرفض أكثر من عامين، ليوافقوا على مضض بسبب إصرار الابن وتجاوزه القضية التي اعتبروها عقبة كبرى أمام إتمام هذا الزواج.

وعلى صعيد تفاصيل الحياة اليومية التي عاشتها في ظل والد كبير السن تزوج من فتاة صغيرة من جنسية آسيوية (هي والدتها)، قالت «الجازية» بأن الدونية كانت هي الإحساس الأول الذي شعرت به بين أقرانها في المدرسة، الأمر الذي جعل هاجسها الدائم متمثلاً بإخفاء جنسية والدتها.

وأشارت إلى تعرضها للعديد من المواقف المحرجة في سبيل إنجاز هذه المهمة، كما أنها تعرضت للسخرية الكبيرة من زملائها الذين تمكنوا من معرفة الحقيقة.

وعلى صعيد آخر أكدت بأنها عاشت في حرمان دائم من عطف الأب الذي كان عاجزاً عن منحها هذا الإحساس لأسباب ترتبط بكبر سنه وحجم مسؤولياته الواسعة تجاه أبناء كثيرين من زوجاته الأخريات.

واعتبرت «رابحة محمود» أن زواج الرجل المسن من زوجة وافدة صغيرة السن نار يكتوي بلهبها الأبناء أولاً انطلاقاً من وقائع التجربة الشخصية لها وللعديد من زميلاتها. موضحة بأن أبناء المرأة الوافدة صغيرة السن غالباً ما يحصدون الفشل في حياتهم العملية وهذا بالضبط ما حصل مع أفراد أسرتها، حيث يقيم أحد أشقائها في مركز لعلاج المدمنين في دبي حالياً، فيما شقيق آخر يقبع بين جدران السجن قضاءً لعقوبة عن جريمة سرقة التي كانت الحاجة بالتأكيد هي سببها.

وأشارت إلى أن بقية أشقائها تركوا مقاعد الدراسة مبكراً، فيما تعمل هي حالياً بموجب شهادتها الثانوية.

وقالت بألم شديد إنه لم يكتب النجاح لتجربتها في الزواج إسوة بزميلتها..

وتروي تفاصيل ما حدث معها حيث تقول: رفضت أسرة الشاب الذي ارتبطت معه بعلاقة عاطفية زواجهما بشدة حيث أنه وعلى ما يبدو كان أقل قدرة على إقناع أسرته بتجاهل وتجاوز موضوع جنسية والدة الفتاة التي يود أن تكون زوجته لينتهي الأمر إلى فشل هذه العلاقة.

واعتبرت أن حظوظها في زواج متكافئ وبمواصفات جيدة ستكون قليلة بسبب هذا الموضوع.

وبحزن شديد أشار «جبران جاسم» إلى تجربته الفاشلة في الزواج من ابنة عمه التي أحبها بشدة بسبب رفض والدته وبإصرار شديد مرده جنسية والدة ابنة العم الآسيوية والتي كان عمه العجوز قد تزوجها وهو في الخمسين من عمره.

«جبران» رأى أن هذا الأمر لا يعني شيئاً بالنسبة له، فيما كان هذا الأمر كل شيء لوالدته.

وقال: إن العلاقة لم يحالفها النجاح حيث شعرت ابنة عمي أن الأعوام تمضي دون أي بارقة أمل في إتمام زواجي منها فاتخذت قرارها بالزواج من شخص آخر كان لديه القدرة على إتمام الزواج دون الرجوع إلى مشورة أحد، وتجاوز القضية (العائق).

فاطمة المغني: زيادة أعباء الزواج على المسن وتطور الوعي المجتمعي وراء تراجع الظاهرة

لفتت فاطمة المغني مديرة مركز التنمية الاجتماعية في خورفكان بأن الأعوام الماضية شهدت تراجعاً في حالات زواج كبار السن لأسباب ترتبط بالوعي المتزايد لدى الفتيات الوافدات لعواقب هذا الزواج انطلاقاً من التجارب العديدة التي تعرضت فيها بعض هؤلاء الفتيات للخديعة من قبل الشخص الذي كان يقوم برسم صورة وردية لها سرعان ما تتبدد منذ لحظة وصولها إلى أرض الدولة، مضيفة بأن تراجع الظاهرة يعود أيضاً إلى زيادة أعباء الزواج على المسن حتى لدى الوافدات، فيما يلعب تطور الوعي المجتمعي بأخطار هذه الظاهرة سبباً مهماً في حالة التراجع.

وأوضحت المغني بأن نشوء هذه الظاهرة يرجع إلى أن عددا كبيرا من المسنين يبحثون عن الزوجة الوافدة الشابة غير مدركين أن هذا النوع من الزواج سيدمر أبناءهم لوجود أجيال متضادة في الأسرة الواحدة من الزوجة الشابة المتطلعة فقط إلى الحياة المادية المريحة، والزوج الكبير في العمر الذي لم يعد بإمكانه القيام بدوره الحقيقي في تربية وتوجيه الأبناء.

وأشارت إلى أن بعض الزوجات الآسيويات وقعن ضحية خديعة من أزواجهن المواطنين الذين أوهموهن حين التقدم للزواج منهن بأنهم أرامل أو أن زوجاتهم المواطنات يعانين من علل مرضية وصحية معينة.

وأكدت مديرة مركز التنمية الاجتماعية في خورفكان بأن الوقائع والدراسات المتعددة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الأبناء الذين ينتجون عن مثل هذه الزيجات يعانون من اضطرابات اجتماعية ونفسية بسبب عدم قدرة الأب على الوفاء بالتزاماته المادية والعاطفية تجاه هؤلاء الأبناء، لافتة إلى أن الوجه الآخر للظاهرة يتمثل بوجود أزواج مواطنين مسنين تعرضوا لمحاولات قتل على أيدي زوجاتهم الآسيويات والى تعذيب، مشيرة إلى وجود أسرة فوجئ الجميع عقب وفاة عائلها المسن أن الزوجة الآسيوية الصغيرة كانت تلقن أبناءها طقوس ديانتها الهندوسية ليؤدوها معها في حين كانت أدعت في حياة زوجها أنها مسلمة وكان قد تزوجها على هذا الأساس.

وقالت فوزية طارش مديرة دار التربية الاجتماعية للفتيات في الشارقة بأن زواج كبار السن المواطنين من فتيات وافدات صغيرات السن يؤدي إلى نتائج سلبية عديدة، خاصة عندما يكون هناك تعدد في الزوجات ومن جنسيات مختلفة مع أبناء كثيرين من هؤلاء الأمهات.

موضحة بأن الآباء المسنين سيجدون أنفسهم عقب سنوات قليلة من هذا الزواج عاجزين عن رعاية أولادهم، ما يفتح الباب واسعاً لانحرافهم، هذا الانحراف الذي يغذيه أيضاً عدم وجود تواصل بين الأب والأم بسبب التباين في البيئة وعدم وجود الوازع الديني لدى الأم التي قد تكون قد أسلمت شكلياً.

وعلى صعيد واقع الظاهرة الحالي، قالت طارش إنها تشهد حالة تراجع ملحوظة تعود أسبابها إلى تطور الوعي لدى الأبناء والآباء في المجتمع، حيث ازدادت حالة الاهتمام بالآباء من قبل الأبناء، الأمر الذي أسقط المبرر للجوء الأب للزواج بحثاً عن الرعاية والاهتمام الذي أفتقده بسبب كبر سن زوجته أو وفاتها.

وقفات

أشارت «الجازية أحمد» موظفة، بأنها عانت الكثير للحصول على الموافقة من قبل أسرة الزوج التي رفضت ارتباط ابنها بفتاةٍ والدتها آسيوية واستمر الرفض أكثر من عامين، ليوافقوا على مضض بسبب إصرار الابن وتجاوزه القضية.

بحزن شديد أشار «جبران جاسم» إلى تجربته الفاشلة في الزواج من ابنة عمه التي أحبها بشدة بسبب رفض والدته وبإصرار شديد مرده جنسية والدة ابنة العم الآسيوية والتي كان عمه العجوز قد تزوجها وهو في الخمسين من عمره.

خالد اللوباني