نعم، الطحين موضوع حديثنا اليوم. ولكن، ما هي المعلومة التي قد تفيد من الكلام عن الطحين؟ وما الفرق بين الطحين منذ 200 سنة مضت وبين طحين العصر الحالي؟
قبل 200 سنة تقريبا، كانت حبوب القمح تطحن كاملة في مطاحن حجرية تقليدية تعمل بقوة الماء والهواء. ولأن المطاحن الحجرية لم تكن تنتج الطحين بكميات تجارية، كان ثمن الدقيق مرتفعا بحيث لم يكن بمقدور الناس جميعاً الحصول عليه للاستعمال اليومي. ولحل هذه المشكلة أتت المطاحن الحديثة التي تعمل بالكهرباء لتشغيل مطاحن ثقيلة مصنوعة من المعدن، تدور حول محورها بسرعة عالية، لتحل محل المطاحن التقليدية.
ثم برزت مشكلة جديدة. فالمطاحن الكهربائية تولد الكثير من الحرارة أثناء الطحن، وذلك يسبب فساد الدقيق الناتج بصورة أسرع، نظرا لاحتواء حبة القمح في قلبها على جنين القمح الغني بالزيوت التي تقاوم الشيخوخة. كما أن قشرة حبة القمح تحتوي على ألياف تعوق عمل المطاحن الحديثة، والتي تعمل في الأمعاء كمكنسة تطرد الفضلات. فكان الحل الأمثل للرفق بالآلات هو التخلص من جنين القمح والقشور، ولتذهب الصحة إلى الجحيم.
وكانت النتيجة دقيقا أبيض يسرّ الناظرين، بالإضافة إلى أنه أرخص بكثير من الدقيق المطحون بشكل تقليدي، كما أنه يعمر طويلاً فلا يفسد بسرعة، وينتج بكميات تجارية فيقبل عليه الكثير من الزبائن، ليدر الكثير من الأرباح. فمرحبا بالأوراق النقدية ذات الفئات الكبيرة، ولتذهب الصحة إلى الجحيم.
أصبح الدقيق الأبيض اليوم ينتج الكرواسان، والكعك، والإكلير، والبتي فور، وجميع الأطباق التي يعتبرها المستهلكون أكثر حداثة من الأرغفة القديمة قاتمة اللون والتي نسبت فيما مضى بكونها طعاما للفلاحين وسكان الريف الجهلة، فأهلا بالحداثة، وإلى الجحيم أيتها الصحة!
وكنتيجة، ارتفعت معدلات الإصابة بالسكري ــ في دولتنا على وجه الخصوص ــ ونحن نتساءل عن أسباب تزايد الإصابة بالمرض. فالدقيق الأبيض المتداول في أسواقنا يرفع من مستوى السكر في الدم بشكل سريع، وهو غير رؤوف أبدا بالصحة، رحيم بالآلات! كما أن نمط حياة السكان بعد دخول المدنية الحديثة إلى الدولة، بالإضافة إلى أن التغييب والتغريب الصحي القائمين ساهما بشكل كبير في إقبال السكان بشكل منقطع النظير على الأطعمة القريبة من متناول أيديهم بغض النظر عن مساوئها الصحية.
قد يتساءل البعض: ولكن أين نجد الطحين الصحي المطحون بشكل تقليدي في الأسواق في أيامنا هذه؟ وماذا عسانا أن نفعل غير الرضوخ لما هو معروض لنا؟ الإجابة تكمن في تكوين المستهلكين جبهة شعبية واعية تطالب به، كونه هو الأمثل للصحة، ومقاطعة الطحين الذي لا يضيف سوى المرض. ولكن إن رضخنا لما يعرضه لنا التجار وتعاملنا مع الموضوع بسلبية، فاسمحوا لي.. (نستاهل الدوس). فالسلبية اليوم هي مصدر غالبية مصائبنا.
