أصيب والدا فيصل بصدمة الموقف التي ألجمت تفكيرهما وجعلتهما يعيشان نوبة قاسية من الحزن عندما علما أن حقنة خافضة للحرارة، قد تسببت بشلل طفلهما الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات، لكنهما في النهاية سلما أمرهما إلى الله وقررا أن يتعاملا مع الطفل معاملة الشخص السليم، حتى بلغ عمر فيصل مسعود صالح الجسمي 30 عاماً.

يتحدث فيصل عن حالته كما علم بتفاصيلها من والديه بعد ذلك فيقول: أصبت بحمى شديدة فنقلني أهلي إلى المستشفى للكشف وإجراء الفحوصات اللازمة، وما كان من الطبيب إلا أن بالغ بجرعة الدواء التي يفترض أن آخذها وبعد عودتي للمنزل شعرت بنوبة من النعاس ورحت في سبات عميق دام 24 ساعة. وفي اليوم التالي عند محاولتي مغادرة الفراش لم أستطع، فأخذني والداي مرة أخرى للمستشفى ذاتها وكشف علي طبيب آخر، وقال له إنني أصبت بشلل نصفي في الجهة اليسرى بسبب حقنة الأمس، لأن عيار الدواء كان ثقيلاً ولا يتحمله طفل بعمري.

ويضيف: على أثر ذلك حاولت إدارة المستشفى حل المشكلة، حيث قامت بتقديم العلاج الطبيعي والأدوية مجاناً لي، وتم نقلي لتكملة العلاج في مستشفى آخر وأجري لي فيه ثلاث عمليات ناجحة واحدة منها في منطقة الحوض والباقي في ساقي، وقمت أيضاً بتركيب جهاز يساعدني على المشي، مما خلصني من السير بمساعدة العكازات.

وبالرغم من أن الحقنة غيرت مسار حياة العائلة لكنها لم تغير حياتي، لأن عيني تفتحت على الدنيا وأنا على هذه الحالة، لكن العمليات التي أجريتها غيرت مجرى حياتي بشكل إيجابي، وجعلتني أستطيع المشي، لكن بشرط إمساك قدمي.

وأضاف فيصل: كنت مشاكساً جداً أيام الطفولة، وأذهب لكل مكان وأمارس جميع الألعاب الشعبية مع باقي أطفال الفريج، دون أدنى اكتراث لإعاقتي، لكني بعد إجراء العمليات كانت الحركة بالنسبة لي صعبة جداً.

لكنه سرعان ما تأقلمت مع الحالة، ودخلت المدرسة الحكومية ولم أواجه أي مشكلات، لأني كنت معفياً من الطابور الصباحي وحصص الرياضة، وكنت أتجاهل كل التعليقات الموجهة لي بل على العكس، فقد كان لقب الأعرج بمثابة تعريف أو تمييز لي عن باقي الطلاب.

أما عن الدراسة فلم أكن أحب الدراسة وعرضت على أهلي فكرة ترك المدرسة أكثر من مرة، لكنهم كانوا يرفضون دائماً، وبسبب عدم وجود ميول دراسية لدي، أعدت الصف الخامس أكثر من مرة ولم أنجح، فرضخ أهلي لرغبتي خصوصاً أن عمري أكبر بثلاث سنوات تقريباً مقارنةً مع باقي طلاب الفصل.

غير أن والدي كان شديد الحرص على العلم، لذا قام بتسجيلي في معاهد للغات لتعلم اللغة الانجليزية، لذا أصبحت أتحدثها بطلاقة منذ كان عمري ستة عشر عاماً.وفي منتصف التسعينيات التحق فيصل بصفوف نادي دبي للمعوقين وتدرب على رياضة الجري على الكرسي المتحرك والسباحة وحصل على ميداليات ذهبية وفضية وبرونزية عدة، وشارك في مارثون دبي وآخر للسباحة والجري في أبوظبي مسافة 800 متر سباحة وعشرة كيلومترات جرياً.

وكذلك العديد من البطولات على المستوى الخليجي، واستمر فيصل في النادي ثماني سنوات، وعن طريقه حصل على عمل في الدائرة الاقتصادية بدبي وتعلم خلالها طباعة الرسائل الرسمية وكيفية التعامل مع المراجعين والقدرة على تحمل ضغوط العمل ووسع دائرة علاقاته الاجتماعية.

لم يكتف بهذا الحد وفضل أن يجد عملاً، وذلك ليتخلص من التزامه مع النادي ويستطيع إكمال دراسته فتقدم لمؤسسات ودوائر حكومية وبنوك وحاول إقناع المسؤولين بقدراته وأنه يستطيع عمل كل شيء، لكن عدم حصوله على شهادة وقف حجر عثرة في طريقه وكان سبب رفضه دائماً، مما أعطاه الحماسة والدافع الأكبر لإكمال دراسته.

في 2003 وفق فيصل بعمل في محاكم دبي بمهنة كاتب أرشيف إلكتروني، والتحق بالوقت نفسه في الدراسة المسائية وعاد لدراسة الصف الخامس وهو مازال يواصل مشوار الدراسة. يذكر فيصل أنه ينهي عمله ويذهب لمساعدة زملائه في قسم خدمة العملاء، لأنه يحب العمل ولا يستطيع الجلوس من دونه.

فكان يعمل بجد ليس من أجل الراتب، بل لإثبات ذاته، خاصة أنه كلما تعامل مع الجمهور أكثر كلما اتسعت خبرته وزادت معلوماته، والذي ساعد فيصل على زيادة قدرته على العمل الجهاز الذي قام بتركيبه عام 2004، حيث أنه أصبح قادراً على حمل الملفات ونقلها بعدما تخلص من العكازات.

ويتحدث عن تجربته بعد ذلك فيقول: مع بداية العمل لم أواجه صعوبات مهنية، كما أنني حصلت على شهادة لقيادة السيارة، وفي سنة 2005 حصلت على جائزة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وجاء أحد المنظمين وأخبرنا بفوزنا بالجائزة.

وقال إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد سيأتي للتكريم، وطالبنا بالاستعداد للقيام بالبروفات، تفاجأت بالخبر وكنت سعيداً جداً والدنيا بأكملها لم تتسع لفرحتي بسماع الخبر. أما عن الحياة الشخصية فيقول فيصل، لم أتزوج لغاية الآن ولن أتزوج حتى أكوّن نفسي وأصبح قادراً على تحمل مسؤولية منزل وأطفال وزوجة، وأعتقد أن هذا يحتاج الكثير من الوقت خصوصاً في ظل صعوبة الظروف المعيشية.

سمانا النصيرات