لا يزال صدى القضية التي أطلقتها «البيان» لإلقاء الضوء على ظاهرة الشذوذ والانحراف والتشبه بين الرجال والنساء مستمراً؛ تلك الظاهرة التي دبت في مجتمعاتنا وبدأت تثير اهتمام الناس بل وأصبحت مثار نقاش في كافة الجلسات ..
وجاء عملنا دعماً للحملة التي أعلنت عنها الإدارة العامة لخدمة المجتمع في شرطة دبي والتي كانت تحت شعار «قيمنا الاجتماعية رصينة.. فلنحافظ عليها»، تلك الحملة التي تضمنت ملاحقة الشاذين في المراكز التجارية والأماكن العامة، وأعلن وقتها عن تشكيل فريق عمل من الشرطة ووزارة الشؤون الاجتماعية ودائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري لدراسة الظاهرة ومتابعة النتائج وإعداد تقرير متكامل لوضع الحلول والتنسيق مع الجهات كافة، من أجل التصدي لهذه الظاهرة.
واليوم في هذه الحلقة الثالثة والأخيرة نعرض لجملة من آراء المختصين التربويين والأطباء النفسيين وعلماء الدين لاستكمال جميع جوانب هذه القضية وأبرز آثارها وكيفية التعامل الاجتماعي والأسري معها.. كما أننا نقدم نتائج إحصائية أجرتها «البيان» على موقعها الإلكتروني لمعرفة آراء الناس من هذه القضية وشملت 535 مشاركاً أدلوا برأيهم من مسألة الانحراف والشذوذ بين الشباب والأسباب الكامنة وراء ظهورها...
عزا الكثير من المهتمين بدراسة الظاهرة شيوعها وانتشارها إلى الاختلاط المبكر بين الذكور والإناث، وسوء استخدام الإنترنت والوسائط المتعددة التي تستخدم في إرسال الصور الخليعة عبر الهواتف النقالة، والتي يتم ترويجها في أوساط الشباب، وتتضمن مقاطع غير أخلاقية تتناقلها فئات شاذة، فضلاً عن عدم وجود وعي بالثقافة الجنسية الصحيحة.
واضطراب الشخصية والتمييز في المعاملة بين الولد والبنت داخل الأسرة، وغياب الوازع الديني، ورفقاء السوء، والاعتماد على المربية الأجنبية، وغيرها من الأسباب التي أدت إلى تفشي هذه الحالات وانتشارها بالشكل الذي أصبح مقلقا للمجتمع. وللوقوف على أبعاد الظاهرة ومدى جدوى الحملة وأثرها استطلعنا آراء العديد من المسؤولين الأمنيين والأخصائيين والباحثين، وغيرهم من الذي أولوا هذه الظاهرة كل اهتمام وبحث..
بداية يقول نائب المدير العام للتحريات والمباحث الجنائية العقيد خليل إبراهيم المنصوري: من خلال الحملة والجهود التي بذلت من قبل الوزارات والمؤسسات الخيرية والأهلية، يمكن القول إن الحملة حققت كل أهدافها وبرامجها التي وضعتها القيادة العامة لشرطة دبي ممثلة بالإدارة العامة لخدمة المجتمع.
وأتوقع أن تزول هذه الظاهرة نهائيا بعد نشر التوعية في أوساط المجتمع والأسرة، وبالرغم من أن مجتمع الإمارات مجتمع مسلم وله عادات عربية وإسلامية عريقة، إلا أن مثل هذه الظواهر تأتينا من مجتمعات أخرى وبعض الشباب يريد أن يقلد فيقع في المحظور. وحول الأعداد التي تم إلقاء القبض عليها، قال العقيد المنصوري: يمكن القول بأنها أعداد بسيطة، ولكن الجانب المهم في هذا الأمر هو التوعية والمتابعة.
الإعلام جعلها ظاهرة
الداعية الإسلامي الدكتور أحمد الكبيسي قال إن الموضوع يتلخص في قوله تعالى: ((والليل إذا يغشى . والنهار إذا تجلى . وما خلق الذكر والأنثى)) وهذا يعني أن لكلٍّ وظيفته التي بينها الله سبحانه وتعالى، ومتى تم تبادل الأدوار تختل وظيفة كل منهما.
وذلك لأن لكل واحد وظيفته التي خلقه الله لها، فكيف يتبادلا الأدوار، وعموما هذه حالة غريبة على المجتمع الإماراتي والعربي والإسلامي، وهي قدمت وللأسف من الدول الأجنبية التي ينتشر فيها الفساد والرذيلة، وعلينا كمسؤولين أن نتعاون جميعا للعمل على منع انتشار مثل هذه الأفعال.
أما هل أنا مع الحملة أم لا؟ فأقول أنا معها ولست معها؛ معها عندما تكون هناك ظاهرة فعلاً ومؤثرة، ولست معها لأن مجتمع الإمارات مجتمع قبلي وله عاداته وتقاليده الراسخة وأبناؤه وبناته من خيرة الشباب، وإذا وجدت حالات قليلة فكان الأجدى التصدي لها دون ضجيج إعلامي، حتى لا يفهم في الخارج بأن هناك ظاهرة متعمقة في المجتمع الإماراتي أو على دولة الإمارات التي نقدرها كل التقدير.
انحراف أخلاقي
الأخصائية النفسية سناء عبد العظيم تقول: تعد الاضطرابات النفسية وكذلك الاضطرابات الجنسية من الأمراض الشائعة وهذه الحالات يصاب بها الشباب وهي تحتاج فعلا إلى علاج، أما عن ظاهرة التشبه بالجنس الآخر فلها عدة أسباب منها محاولة التقليد والرغبة في امتلاك الأشياء أو تقمص شخصية أخرى نقيضة لها.
والأخصائي هنا عليه أولاً معرفة الأسباب التي أدت بالشخص إلى هذا التحول، ومعرفة البيئية المحيطة به والحياة المعيشية والصحبة التي ترافق الفتى أو الفتاة، بعد ذلك يتم تحليل هذه الشخصية والدافع لتقمصها لشخصية أخرى، وهناك انحراف يؤدي أيضا إلى جعل الشخصية تلبس ثوباً غير ثوبها وتتحدث لهجة غير لهجتها.
ويقول الدكتور صالح الخليفي: حالة التشبه بالآخر وخاصة تشبه الرجال بالنساء، هي ناتجة أولاً من انحراف أخلاقي له أسباب عديدة مسؤول عنها أكثر من جهة وتأتي الأسرة بالدرجة الأولى، والحالة الثانية سببها الاضطرابات النفسية والجنسية التي تغلب على المراهق نكران شخصيته والتحول إلى شخصية أخرى.
ولابد أن تكون هذه الشخصية عكسية مثل المرأة فيلبس الشاب لباسها ويقلد حركاتها ويتحدث بطريقتها، وعموما للحالتين علاج، ولكن العلاج المشترك من قبل الجميع هو الأنسب، والاهم معالجة الظاهرة قبل تفشيها.
وتقول الدكتورة نادية البدري من وزارة الشؤون الاجتماعية: من الأشياء المهمة التي افتقدناها في حياتنا القيم وهنا لم نفقدها فقط سلوكاً وإنما في أحاديثنا وتعاملنا، لذلك عندما نفقد مثل هذه الجوهرة على المستوى الفردي والمجتمعي، لاشك سوف يدخل مجتمعنا ظواهر شاذة، وعالمنا اليوم مليء بالتغيرات والتحديات نتيجة هذه التحولات الاجتماعية، وهذا بدوره يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار.
ولهذه الأسباب وغيرها برزت في الآونة الأخيرة هذه الظاهرة الملفتة للأنظار وهي ظاهرة التشبه بالجنس الأخر (الجنس البديل)، ولذلك حق على المجتمع أن يقوم بهذه الحملة والتصدي لها حتى يتم القضاء عليها نهائيا.
أسباب وعلاج
تتلخص الأسباب الكامنة وراء حالات تشبه الرجال والنساء والعكس في اضطراب الشخصية وغياب الوازع الديني والأساليب الخاطئة في التربية وغياب الدور الإرشادي والدور السلبي للفضائيات والانترنت والتقنيات الحديثة والمتطورة، وكذلك الاهتمام بالذكور أكثر من الإناث، والرغبة عند الشباب في التقليد وتقمص شخصية أخرى.
أما العلاج فيجب أن يركز على اتباع الوالدين طريقة صحيحة للتربية من خلال تجسيد القيم والعادات في المجتمع، والعمل على غرس الأنماط السلوكية (الذكورية والأنثوية) المقبولة اجتماعيا، وتنمية الوازع الديني وغرسه في نفوس الشباب، مع إعطاء دور اكبر للمؤسسات الاجتماعية والمساجد والجامعات في نشر التوعية.
وترى الدكتورة أسماء العويس باحثة وأستاذة جامعية أن هناك نوعين من التشبه لابد من أن نميز بينهما؛ فهناك التشبه الذي اكتفى بالشكل الخارجي الذي يشبه الرجل أو المرأة، وآخر تجاوز الشكل إلى التصرف الشاذ، وابتعد عن السلوك السوي والطبيعي لأي فرد في علاقته مع الجنس الآخر، حيث تشذ في هذه العلاقة فتاة أو شاب عن جنسه وهنا يكمن الخطر.
وتعزو السبب الرئيسي لهذه الظاهرة للأسرة وإهمالها لهؤلاء الأبناء من الملاحظة والتربية والنصح وتتبع هذه الحالات، فمن باب المعالجة لهذه الظاهرة يجب عدم النظر إلى المتشبهين وكأنهم من طينة واحدة، وعدم المساواة بينهم في التقييم والعلاج، بل تصنيفهم حسب مشكلاتهم وإقامة الدورات العلاجية، من خلال توعية الأسرة وكيفية إحداث التغيير الإيجابي وعلاج المتشبهين من هذه الظاهرة، والعقوبة ليست علاجاً لمثل هذه القضايا، ولابد من أن تنطلق حملة علاج للأسر قبل هؤلاء الشاذين.
آراء حول أسباب الظاهرة
باتت ظاهرة المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال التي تنتشر في أنحاء كثيرة في الدولة من الظواهر الدخيلة على عادات وتقاليد مجتمعنا وتتنافى مع تعاليم ديننا الحنيف، وتتخذ هذه الفئة ممن يمارسون هذه التقليعات أو الأنماط السلوكية غير المألوفة في مجتمعنا لنفسها طريقاً جديداً تسير عليه في حياتها.
حتى لو كان ذلك على حساب شخصيات أفراد هذه الفئة، غير مبالين بنظرات الاستهجان من جميع فئات المجتمع التي ترى في ظاهرة التشبه مشكلة العصر التي تتفاقم وتكبر على مر الأيام، إذا لم يتم رصدها بهدف توضيح أسبابها في محاولة لوضع حد لها قبل أن تتحول إلى مرض سرطاني يعصف بالمجتمع.
وكانت شرطة دبي قد أطلقت مؤخرا حملة موسعة لضبط المتشبهات بالرجال من النساء، والمتشبهين بالنساء من الرجال للحد منها والقبض على الفئات التي تمارسها، ولأن الإعلام عليه القيام بدوره في توعية المجتمع بمثل هذه القضايا التي تشكل خطراً علية ومواجهة مثل هذه الظواهر المرفوضة اجتماعياً.
وتعزيزاً لحملة شرطة دبي في محاربة هذه الآفة من مجتمعنا، أجرت جريدة البيان استطلاعاً لرأي الجمهور في موقعها الالكتروني على الانترنت حول أسباب هذه الظاهرة، حيث أظهرت نتائج استطلاع الرأي لإجمالي الأصوات والتي بلغ عددها 535 صوتاً أن أغلبية القراء المشاركين في الاستطلاع أو ما نسبته 5. 58 بالمئة يعزون السبب في هذه الظاهرة إلى الأسرة.
وغياب الرقابة على الأبناء ويعتبرونها من الأسباب الرئيسة في انتشارها، فيما قال 14. 15بالمئة إن أسباب هذه الظاهرة تعود إلى انفتاح المجتمع ورفاق السوء، وقال 02. 14% إن أسباب انتشار هذه الظاهرة تعود إلى سوء فهم الحرية الشخصية، بينما يرى 1. 7 بالمئة أن أسباب هذه المشكلة ترجع إلى تربية الذكر مع مجموعة من الإناث وبالعكس، ورأى 23. 5 بالمئة أن الاختلاط في الجامعات هو سبب هذه الظاهرة.
جميل محسن، مجيب هزاع

