أكدت الدكتورة مريم الشناصي مستشار معالي وزير البيئة والمياه الأستاذ المساعد في ميكروبيولوجيا البيئة في قسم الصحة البيئية بكلية العلوم الصحية في جامعة الشارقة سابقا أن الاستثمارات العمرانية والتنموية التي تشهدها الدولة لن تجدي نفعا إن لم يواكبها خطة استراتيجية لتقييم الآثار البيئية الناجمة عن استنزاف الموارد الطبيعية وتأثيرها على صحة الإنسان وديمومة حياته، معتبرة أن خريجي الصحة البيئية هم خط الدفاع الأول عن صحة الإنسان والأرض بما تحتويه من كائنات حية على اختلاف وضعها التصنيفي.

وقالت إن زيادة عدد المستشفيات والمراكز العلاجية ليست دليل تطور وازدهار، بل هي مؤشر على تراجع و تدهور في الموارد الطبيعية وضعف في التخطيط، مضيفة أن المراكز لا تقدم سوى خدمات علاجية، في حين أن الصحة البيئية تساهم في رفع اقتصاديات الدولة بتخفيض فاتورة العلاج والدواء التي أثقلت ميزانية الحكومة، داعية إلى إعادة ترتيب الأولويات وفق ما تتطلبه الاحتياجات المستقبلية. وقالت إن الدولة تبذل جهودا ومساعي في مجالات تنموية شتى من اجل رفاهية المجتمع وبناء البنية الأساسية وتوفير الخدمات الاجتماعية والتعليمية والرعاية الصحية والأمنية إلا انه لا يزال يعوزها التخطيط المنظم في استثمار وتنمية الكوادر البشرية الإماراتية المؤهلة في مجالي الرقابة والتفتيش الغذائي والبيئي.

مشيرة إلى أن الجهود ستظل متفرقة ومشتتة يعوزها التنسيق والمتابعة؛ معللة أن أحد أهم أسبابها هو غياب المواطن الإماراتي المؤهل التأهيل الذي يتوافق مع احتياجات سوق العمل، فغياب المواطن يجعل من الاستحالة متابعة القضايا المحلية من بينها كل ما يتعلق بشؤون سلامة الغذاء والصحة البيئية.

مشددة في السياق ذاته إلى أن إعداد الإنسان الإماراتي المزود بأصول المعرفة وطرق البحث المتقدمة للمساهمة والمحافظة على صحة وامن الدولة، لن يتأتى إلا بالتعليم وهو من العوامل المساعدة في تكوين المعرفة والثقافة البيئية والغذائية والصحية، بوصفه أداة لتحقيق ضبط السلوك الفردي وتوجيهه باتجاه المحافظة على صحة أفراد المجتمع...

كيف تعمل جامعة الشارقة على استقطاب الطلبة للالتحاق بتخصص الصحة البيئية؟

بدأ قسم الصحة البيئية يتبوأ المكانة العلمية له وفق احتياجات مجتمعية للتخصص يتطلبها سوق العمل، إلا أنها تحتاج إلى بعض الوقت حتى نتمكن من استقطاب الأعداد المطلوبة التي لا تزال قليلة مقارنة بالشواغر الوظيفية المتاحة في الدولة، فمجالات العمل فيه واسعة ويمكن للخريج الالتحاق بالبلديات ووزارة الصحة وشركات البترول والمجمعات الصناعية والهيئات البيئية والوزارية.

كما أن هناك ضعفاً في سياسة التعليم المهني وتنمية المهارات كما يلاحظ غياب أبناء الإمارات عن العمل في مجالات الرقابة والتفتيش والتثقيف الغذائي والبيئي، حيث إن نسبة المواطنين العاملين في قسم الرقابة الغذائية والبيئية في بلدية الشارقة لم يتجاوز 1%، وبالمثل في دائرة التخطيط والبلدية-بعجمان.

وفي ظل حاجة الدولة للمحافظة على الصحة وتوجيه الرغبات والعادات الاستهلاكية الغذائية الخاطئة، وفي ظل وجود الشواغر الوظيفية فإنه يتوجب إعادة توجيه اهتمام فئة الشباب وفق أسس علمية ومنهجية تهدف إلى خدمة المجتمع والارتقاء به حضاريا وترقية الفكر وتنمية القيم الإنسانية وأيضا تزويد الدولة بالمختصين والفنيين، القادرين على الاهتمام بقضايا الرقابة والتفتيش والتثقيف الغذائي.

هل أنت من دعاة توطين مهنة التفتيش والرقابة البيئية والغذائية؟

من الأمور التي باتت تؤرقني بشدة هي توطين مهنة الرقابة والتفتيش الغذائي والبيئي، لأننا ببساطة لن نتمكن من ضبط وإحكام الرقابة الغذائية والبيئية وتطبيق الاشتراطات الصحية إلا بعد أن يكون الكادر إماراتي مؤهلاً للقيام بأعمال التفتيش البيئي وضبط هذه المخالفات، وأدعو الجهات العليا لاستصدار قانون أو مرسوم بتوطين مهنة التفتيش الغذائي والبيئي بكافة الأجهزة الرقابية بالدولة بنسبة 100% وليس التوطين الجزئي.

كيف أسهمت الزيادة السكانية التي شهدتها الدولة خلال السنوات الماضية في الإضرار بالبيئة وسلامتها؟ وما السبل إلى تجنبها؟

الزيادة السكانية تتطلب وجود خطط مدروسة ومعايير عالمية حيث أنها تستوجب وجود بنية تحتية، ومياه شرب وشبكة صرف صحي يتناسب مع الإعداد المطردة من السكان، فلابد أن تكفي المصادر المائية والغذائية وموارد البيئة، كما يجب أن تكون هناك قنوات لتصريف النفايات الصادرة عن السكان بشكل مناسب دون أن يخل بالبيئة لذلك لابد عند استقطاب البشر في الدولة إيجاد منهجية وإستراتيجية يضعها المخططون البيئيون إلى جانب المستثمرين، لان الصحة البيئية يجب أن لا تكون بمعزل عن أي مشروع.

قانون لحماية البيئة

ما ابرز التحديات المستقبلية التي قد تواجه الدولة وما السبيل لوقفها أو التخفيف من آثارها؟

شح المياه مشكلة قد تواجهها الدولة رغم المشاريع القائمة للحفاظ على الثروة المائية إلا أننا لا نزال نحتاج إلى متابعة حثيثة في ظل الزيادة المطردة للسكان وكثرة المشاريع الاستثمارية، كما أن هناك ضرورة للمحافظة على الثروات البحرية ووضع ضوابط واشتراطات لجميع النواقل البحرية، مضيفة أن احد المشاكل التي ظهرت هي التخطيط العشوائي لبعض المناطق التي تحتاج إلى إعادة النظر.

كما أن نسبة انبعاث بعض الغازات والأبخرة من المصانع بحسب الدراسات الأولية لقسم الصحة البيئية في جامعة الشارقة يشير إلى الحاجة لضبط معدلات التلوث، لافتة إلى حاجة الدولة إلى مزيد من المراقبين والمفتشين في مجال السلامة الغذائية خاصة وان قسم الصحة البيئية في الجامعة يطرح إلى جانب بكالوريوس الصحة البيئية.

دبلوم السلامة الغذائية والذي بدأته الجامعة بالتعاون مع بلدية الشارقة بهدف اجتذاب الشباب الإماراتي لتوطين مهنة المفتشين الغذائي بنسبة مائة في المائة وكانت البلدية قد لاحظت ان نسبة التوطين في المهنة حتى عام 2004 لم تتجاوز الواحد في المائة وقد تم تخريج 50 مفتش غذائي، كما يطرح القسم دبلوم السلامة والصحة البيئية وبالتعاون مع بلديتي الشارقة وأم القيوين.

وقد وضعت الدولة قانونا اتحاديا لحماية البيئة وتنميتها لكن لابد أن يكون هناك من يقوم بتفعيل هذه القوانين ومتابعة تطبيقها وهذا لن يتأتى إلا من خلال متخصصين في مجال الصحة البيئية لان العاملين في هذا المجال يراعون الانعكاسات والتأثيرات البيئية على صحة الكائنات بما فيهم الإنسان فهي ليست علوماً بحتة وإنما علوم تطبيقية لذا فإن خريج بكالوريوس الصحة البيئية يجب أن يمتلك شخصية قيادية لأنه يقع على عاتقه مسئولية حماية دولة بأكملها من الملوثات البيئية وقد يتعدى ذلك إلى حماية امن الدول المجاورة.

تتحدثين دوما عن تغير الأنماط الاستهلاكية في حياة الإنسان وتعدد أنواع وأشكال المادة الغذائية المصنعة هل لك أن تعطينا لمحة عن مفهوم المواد الغذائية المصنعة وأين وصلت أبحاثك في هذا المجال؟

بات من الضروري أن نثقف أنفسنا عن الأنماط الغذائية ومدى ملاءمتها لصحة الإنسان، فالسلامة الغذائية تأتي قبل التغذية خاصة وان نصائح أخصائي التغذية لن تجدي مادامت المواد الغذائية ملوثة بأنواع من المبيدات والملوثات الميكروبية والفيزيائية والكيميائية فنحن بحاجة إلى ضمان صحة الأغذية ثم اختيار ما يتلاءم مع أجسامنا.

وقد لا نستغرب كثرة الشكاوى من أولياء الأمور أو الطلبة في المدارس والجامعات بضعف التركيز وقلة الاستيعاب والتحصيل العلمي فاحد أسبابه نوعية الغذاء الذي نتناوله فالمقاصف المدرسية حسب الدراسات التي أجراها احد الطلاب وهو عبد الله خليفة بن دلموك تبين أن فيها خلل كبير والأغذية في معظمها غير صحية. وحول أهم الدراسات التي تجريها أشارت إلى أنها تتعاون مع جامعة لندن في عمل أبحاث حول منتجات الألبان والأسماك والأغذية المتخمرة.

توطين

ضرورة انخراط الشباب في التثقيف البيئي

أكدت الدكتور مريم الشناصي أن انخراط الشباب ومساهمتهم في حل مشكلات الرقابة والتثقيف البيئي، سيكون ذا مردود إيجابي في ضبط جودة الغذاء والاستثمار في قطاع الصحة؛ والتقليل من الملوثات والمخاطر البيئية والناتج عن الطفرة الاقتصادية، لتكون الحصيلة النهائية أجيال قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية ومتابعة النهضة الصحية، فهي مسؤولية أبن الإمارات.

وقالت إن إهمال تعليم الشباب المواطن سيحرم ليس الطالب فحسب بل المجتمع من طاقة أبنائه القادرين على العطاء، لذلك لابد من توجيه الطاقات والاهتمام بالمجالات المهنية ومن بينها الصحة البيئية، والذي يندر إن يتواجد فيه المواطن صاحب الكفاءة العلمية والمهنية، مما يعني تقليل تكاليف الرعاية الصحية والمشاكل الناتجة عن الأمراض المرتبطة بالغذاء.

نورا الأمير