قبل 10 سنوات لم يكن يتجاوز عدد العيادات النفسية في الشارقة عيادة واحدة حسب إحصائيات الدائرة الاقتصادية، أما اليوم فرغم عدم وجود إحصاءات دقيقة إلا أن أعدادها حسب مصادر مسؤولة أصبح يزيد على 20 عيادة وتنتشر في معظم الشوارع الرئيسة والمناطق التجارية والمراكز الصحية الخاصة، وبشكل ملفت مما يؤكد تزايد أعداد المرضى النفسيين خلال الفترة الماضية تزايداً ملحوظاً.

تقول ( م.س) التي كانت تعاني من الاكتئاب إنها تعرضت لضغوط شديدة في محيط العمل والأسرة، وقد كانت بداية المرض قبل عام تقريبا عندما بدأت تشعر بالتوتر والقلق، ولم تجد أحداً للتنفيس له عن هذه الضغوط مما أدى إلى ازدياد حالتها النفسية سوءا، مما استدعى لجوءها إلى الطبيب النفسي بقرار ذاتي دون ضغوط من احد. مشيرة إلى أنها بحمد الله تعافت من المرض بعلاج نفسي ودوائي استمر لمدة 9 أشهر، وأنها لا تجد أي حرج أو عيب في الذهاب إلى الطبيب للعلاج النفسي لأنه طبيب يعالج المرض كأي طبيب آخر، لكنها تحمل عليهم المبالغة في جلسات العلاج التي تصل إلى 500 درهم في الجلسة الواحدة.

مريض آخر يدعى (خ م) قال انه كان يعاني من فوبيا الطيران والأماكن المرتفعة وان هذا المرض أصبح يشكل عائقا أمام التقدم في عمله وخاصة بعد أن ترقى وأصبح مديرا إقليميا في إحدى دول الخليج مما يستدعي تنقله باستمرار في الطائرة.مشيرا إلى انه توجه إلى إحدى عيادات الصحة النفسية وقام باستشارة الطبيب الذي قام بعلاجه خلال شهرين من خلال الأدوية والإرشاد السلوكي، وانه استمر بحياته وعمله وحقق تقدما كبيرا فيه، لم يكن سيحققه دون اللجوء إلى الطبيب النفسي.

وبين الدكتور احمدرضا المرشد النفسي في جامعة الشارقة ان الترابط الاجتماعي والأسري يخففان كثيرا من الضغوط النفسية ومن أعباء الحياة، كذلك اللجوء إلى الله عز وجل يعتبر أفضل وقاية من المرض النفسي ولاسيما في الصلاة والدعاء لأن فيهما إفضاء بالمشاكل والهموم التي تعتري الإنسان إلى الله، فتمنحه الاطمئنان والثقة بالنفس. وأوضح الدكتور احمد العموش رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة الشارقة انه في دراسة حديثة كشفت أن 67% من المجتمع يعاني من ضعف العلاقات الأسرية والاجتماعية واختفاء العلاقات الحميمة بين أفراد المجتمع، والتي أدت إلى تصدع في التكافل الأسري والاجتماعي والشعور بالاغتراب الاجتماعي.

والتي تعد سببا رئيسا للضغوط النفسية التي تضاف إلى عدد من الضغوط المختلفة التي أصبحت تداهم أفراد المجتمع ولاسيما ضغوط العمل والازدحام المروري والغلاء، مما كان له بالغ الأثر في زيادة أعداد المرضى النفسيين وانتشار العيادات النفسية بشكل لافت.

وأضاف أن العيادات النفسية ينبغي أن تبدأ بالإرشاد والتوجيه وعدم التسرع بالعلاج بالأدوية، كذلك لا ينبغي من المريض أو الذي يشعر بتوتر أو ضغوط معينة بعدم اللجوء إليها، والتعويض عنها بالتنفيس عن ما يشعر به للأصدقاء والأسرة، وعدم اللجوء إلى العيادات النفسية إلا عند الاضطرابات النفسية الشديدة وفشل الآليات الذاتية في الحصول على الراحة النفسية.

يقول الدكتور حسين مبارك طبيب نفسي في أحد المراكز الطبية في الشارقة إن التحول الاقتصادي والاجتماعي المتسارع والذي لا يواكبه ويوازيه تطور ثقافي وحضاري أدى إلى ازدياد الأمراض النفسية في المجتمع، مشيرا إلى أن أكثر الأمراض النفسية شيوعا في مجتمع الإمارات هي الاكتئاب والقلق النفسي والوسواس القهري.

وان انتشار العيادات النفسية لا يعتبر خللاً في المجتمع بقدر ما هو مقياس لحضارة وتقدم البلد، إذ تصل أعداد العيادات النفسية في الدول المتحضرة 5 عيادات لكل ألف نسمة. وأضاف انه ثبت في المجتمعات أن ارتفاع عدد العيادات النفسية وأسرة المرضى النفسيين في المستشفيات يتناسب عكسيا مع الأسرة في السجون.

بمعنى آخر انه إذا ازدادت الخدمات الإنسانية في المجتمع تقل الجريمة، كذلك ثبت علميا أيضا أن 30 ـ 50% من أمراض ضغط الدم والقلب والسكري أسبابها الرئيسة نفسية، لذا فلا يمكن لأي مجتمع أن يستغني عنها، ملمحاً إلى أن النظرة السلبية للطب النفسي .

والتي ساهم فيها الإعلام إلى حد بعيد برسم صورة الطبيب النفسي غريب الأطوار بدأت بالاختفاء، وأصبح العديد من الأشخاص يراجعون العيادات النفسية دون ضغوط من أحد، لزيادة وعي المجتمع الذي أصبح يدرك بأن المريض النفسي يعاني من اضطرابات وليس متخلفاً عقليا.

بين الدكتور مبارك أن العيادات النفسية تقدم نوعين من العلاج هما سلوكي ودوائي وان العلاج بالأدوية لا يقدم عليه معظم الأطباء إلا في حالة وجود اضطراب سلوكي، أو مرض جسدي سببه نفسي كالصداع والقلق والأرق والإدمان وحساسية الجلد والربو واضطراب في التوازن وقرحة في المعدة والقولون، أو اضطراب نفسي شديد يخشى أن يؤدي إلى الانتحار، وانحرافات عقلية وسلوك عدواني وتحتاج بداية إلى العلاج الدوائي لتوفير الراحة له ومن ثم علاج سلوكي لمسببات المرض.

وحول شكوى المرضى من ارتفاع أسعار جلسات العلاج النفسي قال الدكتور حسين مبارك إن المريض يمضي في عيادة ما بين 30 ـ 45 دقيقة وهذا الوقت يفوق بكثير الوقت الذي يقضيه المرضى في عيادات الطب العام والأمراض العضوية الأخرى، كذلك بسبب المسؤولية القانونية والمادية التي تعطل الطبيب في كثير من الأحيان وخاصة عند ارتكاب مخالفة أو جريمة من قبل المرضى.

والتي تجبر الطبيب في كثير من الأحيان على الوقوف في المحاكم، كذلك بسبب عدم تحمل معظم شركات التأمين فاتورة المرضى النفسيين، مشدداً على ضرورة إصدار قوانين مفصلة للصحة النفسية تضمن حقوق المريض وتضمن سلامته وسلامة قراراته، والتي تقلل بالتالي من مسؤولية الطبيب.

وقال الدكتور علي الحرجان- طبيب نفسي، إن المرض النفسي يشكل المستوى الرابع من الأمراض التي تصيب الناس، وأنه في عام 2020 يتوقع لها أن تصبح المستوى الثاني، وذلك حسب منظمة الصحة النفسية، مشيرا إلى أن زيادة المرضى النفسيين في العالم العربي ناتج عن أسباب عدة أهمها التغيرات الاجتماعية والمادية وصعوبات الحياة وتداخل الثقافات وثورة التكنولوجيا، يقابلها ضعف الخدمات والرعاية الاجتماعية والوقاية النفسية، والتثقيف الصحي وكيفية مواجهة المشكلات في المؤسسات العامة والمدارس.

وأضاف أن شريحة الشباب التي تشكل 60% من معظم مجتمعاتنا العربية تتعرض لضغوط شديدة مادية وثقافية وصعوبات عاطفية تؤثر في المكونات النفسية، وهي سبب رئيس للقلق والاكتئاب والسلوك المضطرب، الذين يعانون منه، مشيرا إلى أن معظم الاضطرابات تبدأ بسيطة ولكنها تتفاقم عند عدم وضع الحلول المناسبة، وتتحول إلى اضطرابات عقلية وانحرافات أخلاقية وسلوك عدواني، قد تتطلب علاجاً دوائياً من البداية لتعديل التغييرات الكيماوية والهرمونية الطارئة ومن ثم علاج سلوكي لمسببات المرض.

مشكلات أسرية

الدكتور احمد رضا المرشد النفسي في جامعة الشارقة يقول إن انتشار العيادات النفسية في الدولة بشكل لافت، سببه الضغوط النفسية والمشكلات الاجتماعية والأسرية وضغوط العمل التي أصبحت تلم بأفراد المجتمع، والذين لا يجدون سبيلاً لتنفيسها، بسبب ضعف العلاقات الاجتماعية والأسرية، وضعف الجانب الروحي والديني، مما جعلهم يبحثون عن العيادات النفسية لطلب المساعدة في علاج الاضطراب النفسي.

مشيراً إلى أن مراحل العلاج النفسي ينبغي أن تبدأ من الشخص ذاته من خلال آلياته ومهاراته الذاتية، للتخلص من الأعباء النفسية التي تلم به، ومن ثم اللجوء إلى العيادات النفسية التي يمكن أن يلجأ إليها في حالة فشل أو عدم قدرته على علاج نفسه بنفسه.

وأضاف أن العلاج النفسي ينبغي أن يبدأ بعيادة الاستشارة النفسية التي تهتم بالمساندة النفسية للمريض بإمداده بالثقة وإعطائه مهارات سلوكية للخروج من اضطرابه، ومن ثم اللجوء إلى عيادات العلاج النفسي لأخذ الأدوية والعقاقير والدعم النفسي، ملمحاً إلى التأثير السلبي للأدوية والعقاقير النفسية، لأنها تعود في معظمها على السلبية في مواجهة المشكلات ولذا يجب مراعاة الحالة النفسية للمريض والتريث في إعطائها قدر الإمكان.

فراس العويسي