يعمل ناصر نوراني البالغ من العمر 37 عاماً صحفياً بمجلة الشرطة في دبي، وفتح له المجال عندما توفي والده وتبنى الفريق ضاحي خلفان تعيينه في الشرطة، وفكر في القسم الذي يتناسب مع قدراته وتخصصه، فوقع الخيار على القسم الإعلامي.
حيث إن ناصر يتحدر من عائلة لقبها «الضرير» نسبة للجد الذي كان يعاني من مشكلة العمى، ونقلها بالوراثة للأحفاد، وساعد على ذلك زواج الأقارب، وهذه المشكلة توارثتها العائلة على مدى ستة أجيال، أصيب عدد من الأحفاد بها منهم ناصر وثمانية أشخاص من أقاربه.
لكن هذه المشكلة لم تكن عائقاً في طريق تحقيق طموحاتهم، حيث استطاع جميعهم الحصول على الشهادة الجامعية في تخصصات مختلفة. يقول ناصر: ولدت في الدولة وأنا أعاني من ضعف البصر، لم يفاجأ أهلي بهذا الموضوع وتعامل معي جميعهم بطريقة طبيعية.
درست في مدارس الدولة الحكومية إذ إنني في البداية كنت مصاباً بضعف نظر حاد، وبعدها تفاقمت مشكلتي، ولم اعتد الاعتماد على نفسي فإنا أطلب المساعدة بشكل مستمر من المحيطين، حيث إنني لا أستعين بالعصا لأتحسس بها ولا أعتمد على أشعة الشمس أو هبوب الرياح لأرسم خريطة ذهنية للموقع، وهذه مشكلة حقيقية، وبذلك لم أتعلم منذ الصغر على طريقة تساعدي بالاعتماد على نفسي ربما لأنني فقدت نظري تدريجياً .
عشت معاناة حقيقية أيام الدراسة الابتدائية؛ فقد كانت أصعب مرحلة في حياتي، لأن الاختلاط بين الطلاب المعاقين والسليمين بتلك الفترة كان جديداً، ومع أن أهلي هيئوني نفسياً، لكنني واجهت ضغوطاً نفسية كبيرة من الطلاب وبعض المدرسين.
فكنت أسمع تعليقات لاذعة من زملائي واستهزاء، كما أني كرهت مادة اللغة الإنجليزية بسبب تعامل المدرس السيئ الذي كان يرفض دائماً مساعدتي في قراءة الأسئلة ويقول لي هذه مشكلتك الخاصة وليست مشكلتي وكان يتعمد تجاهلي باستمرار.
أما في المرحلة الإعدادية والثانوية فقد تفاقمت المشكلة عندي وأصبحت غير قادر إلا على رؤية أخيلة ضعيفة، ومع ذلك أصر والدي أن أكمل دراستي وذهب للمدرسة وطلب من المدرسين تفهم وضعي ومساعدتي بقراءة أسئلة الامتحانات وكتابة الإجابات بدلاً عني.
كما كانت أمي بالمنزل تجلس بجانبي ساعات تقرأ لي الكتب بصوت عالٍ ومن ثم تلخص لي، وبقيت على هذا الحال حتى أنهيت دراستي الثانوية بنجاح وكنت الطالب السابع على مستوى الدولة والتحقت بجامعة الإمارات، وهذا ما النجاح جعلني معروفاً عند الكادر التعليمي في الجامعة قبل تسجيلي.
اخترت تخصص اللغة العربية وكانت هذه الفترة أجمل مراحل حياتي، فقد وجدت كل الدعم والمساعدة من زملائي، حيث إنهم خصصوا وقتاً محدداً لتدريسي، كما أن عدد الطلاب في قسم اللغة العربية في القسم قليل مما سمح للمدرسين بالتركيز علي وإعطائي وقتاً إضافياً، وبسبب هذه المعاملة فكرت بعد التخرج أن أكمل الدراسات العليا خاصة أني تخرجت بامتياز.
لكن لم يشأ القدر فقد توفي والدي الذي كان يعمل صحفياً في صحيفة «البيان»، وكان علي أن أحل مكانه. لذا عملت صحفياً في مجلة الشرطة، وكونت من خلال عملي شبكة علاقات اجتماعية واسعة، ومن مميزات عملي أنني استطعت تعدي حاجز الخوف، كما أن الدعم من قيادة الشرطة لي جعلني إنساناً مطلعاً ومثقفاً حيث إنهم وفّروا لي برنامج الحاسوب الناطق الذي أستطيع من خلاله الدخول للإنترنت.
تجربة الكتابة
قررت استعادة تجربتي المؤلمة مع المدرسة وحاولت تقديم نفسي كنموذج مع مرور الوقت وصدور مجلة الأطفال «خالد» من القسم نفسه، لأكرس للمعاق مكاناً في حياة الأطفال وأنه إنسان موجود ممكن أن نقابله في أي مكان .
في البداية ترددت.
لأن حجم المشكلة كبير وموضوعها معقد والكتابة للأطفال ليست سهلة، لكني تشبثت بقراري وكتبت سلسلة قصص وليد وصابر لمدة ثلاث سنوات. وكنت أتحدث فيها عن نفسي المعاقة كما أعرفها وأعيشها وأتألم وأفرح معها، وفي كل حلقة أطرح مشكلة واحلها.
سمانا النصيرات
