تسعى المناهج الدراسية في دولة الإمارات إلى تلبية احتياجات المجتمع بما يكفل لهذا المجتمع تعزيز تضامنه ووحدته وقدرته على تحقيق التنمية الشاملة المستدامة وفي هذا السياق فإن المناهج الدراسية أولت ابنة الإمارات اهتماما ملموسا سعيا لتشكيل شخصيتها من الناحية الثقافية والفكرية والسلوكية لتمكينها من اخذ دورها الريادي باعتبارها نصف المجتمع وعلى أكتافها تحقق الشعوب والأمم نهضتها وتقدمها.
ولكن هل تتحمل المناهج الدراسية وحدها مسؤولية تشكيل شخصية الفتاة؟ الدكتور هاشم دويدري موجه اللغة العربية يقول إن مقومات الشخصية السوية تتطلب سلوكا صحيحا يتحلى صاحبه بحسن التصرف والكياسة ومراعاة القيم والعادات والتقاليد السليمة، والطالب يتأثر بعوامل عديدة في بناء شخصيته منها الأسرة والمجتمع والمدرسة وبخاصة المعلم ومناهج التعليم، مشيرا إلى أن للمناهج دورا أساسيا من حيث تأثيرها في شخصية الطالب لأنها تنعكس إيجابا أو سلبا على سلوكه وعلى ثقافته وفكره.
وقد أدرك العالم اجمع خطورة الدور الذي تلعبه المناهج في صناعة النشء لذا جرى التركيز عليها وعلى إعدادها وتبارى المتخصصون في فلسفة المناهج وتقديم ما يفيد ويجذب الطالب، ويرى أن القائمين على إعداد المناهج أدركوا تأثير محتواها في شخصية الطالب فأخذوا بعين الاعتبار إعداد منهج حياتي يكون لصيقا بالطالب ويجول في مجالات اهتماماته وميوله وتطلعاته.
ففي اللغة العربية مثلا يمكن للنص الشعري أو النثري الجميل أن يهذب ذوق الطالب وان يرتقي بحسه الجمالي وتطوير قدراته التعبيرية من خلال المحفوظات الأدبية التي أسهمت في بناء فكرنا وثقافتنا وقدراتنا وقديما قيل «العلم في الصغر كالنقش في الحجر» وهذا مؤشر على أهمية ما يقدم للطالب في مدارسنا والى دوره في صياغة شخصيته وجعله إنسانا فاعلا في الحياة وقادرا على الإسهام في بناء الوطن وتحقيق الحياة السليمة.
وأوضح انه نظرا للأهمية التي تنطوي عليها محتويات الكتاب فإنه يراعى عند إعداد المناهج ثلاثة الأولى الجانب المعرفي والثانية الجانب الوجداني والسلوكي والثالثة الجانب المهاري الحركي، مضيفا أن الأهمية للمنهج تدعونا إلى مزيد من التروي والتفكير في إعداد المنهج وطرحه ليكون بحق وسيلة فاعلة للتربية.
ومن واقع عمله كمدرس لمادة الجغرافيا يصف إبراهيم صالح وهو من مدرسة الخليج العربي الثانوية المشتركة في الشارقة المادة بأنها حيوية فعالة تساهم بقدر كبير في تنمية شخصية الطالب عموما والطالبة خصوصا بل وتكسب المتلقي مهارات وقيماً عظيمة تنفعه في حياته العامة.
مستعرضا أهم المهارات التي يمكن اكتسابها من المنهاج أولها تنمية مهارة تقدير المسافات بين المناطق وتنمية مهارة تحديد الوقت وحساب الزمن مما يساهم في تقديره لقيمة الوقت كما أن الجغرافيا تربط الطالب بالعالم الخارجي من خلال موضوعات متعلقة بالأحداث الجارية وتغرس القيم الدينية الأصيلة مثل التدرب والتفكير في ملكوت خلق الله ومدى الإبداع فيه.
مناهج قاصرة
وقال الدكتور عبد اللطيف حسين حيدر عميد كلية التربية في جامعة الإمارات: يعاب على المناهج الدراسية الحالية أنها تركز على المعلومات ولا تعطي اكتساب المهارات والمعارف اللازمة لإعداد المتعلم للحياة قدرا مناسبا من الأهمية .
وبالتالي فهي لا تلبي طموح المجتمع ونتج عن ذلك عدم رضا المعنيين بها سواء أكانوا تربويين أم أولياء أمور، مشيرا إلى أن الطلبة على الرغم من نجاحهم في الامتحانات إلا أنهم يعانون من صعوبات في التواصل مع الآخرين كما أنهم يفتقدون إلى الثقة بالنفس والعمل بروح الفريق.
وأوضح عميد كلية التربية أن المناهج التي يدرسها الطلبة قد أغفلت العديد من الجوانب التعليمية التي تسهم في بلورة شخصية الفرد وتنميتها فالمناهج الحالية لا تساعد الطالب على اكتشاف ذاته وفهمها ومعرفة قدراته كما أنها لا تتيح له فرصة فهم ما يحيط به من أفكار وقضايا وأسئلة توجه إليه، مشيرا إلى أن التعليم التلقيني لا يتيح فرصة تنمية جانب التفكير التقييمي وبالتالي يحرم الطالب من القدرة على تقييم المواقف بشكل سليم.
ودعا إلى الأخذ بعين الاعتبار جوانب مهمة تغفلها المناهج الدراسية الحالية التي تركز بصورة رئيسية على المعلومات وحفظها واسترجاعها، مؤكدا على أهمية تنمية ذات المتعلم وفهمه للآخرين وللكون من حوله فهما مناسبا واكتساب مهارات الدراسة والعمل والتفاعل مع الآخرين مقترحا دمج تلك الجوانب في المواد الدراسية الحالية وفي تدريس مادة جديدة يمكن أن تسهم إذا ما خطط لتدريسها بشكل جيد في إعداد المتعلم للحياة.
لطيفة علي عبيد نائب مدير مركز تطوير المناهج والمواد التعليمية في وزارة التربية والتعليم سابقا أكدت ان سياسة التعليم في الدولة أقرت مجموعة من المبادئ أهمها تنشئة إنسان الإمارات تنشئة إسلامية قويمة وتنويع فرص التعليم وتطويرها بما يلبي حاجات المجتمع ومتطلبات التنمية المستمرة والشاملة إضافة إلى بناء الشخصية الإنسانية المتكاملة عقيدة وسلوكا ومهارة وأداء.
وذكرت عبيد أن المناهج أبرزت دور الفتاة بصورة واضحة جلية وأفردت لها مساحة واسعة من خلال المادة العلمية والأساليب والأنشطة والوسائل المصاحبة لها فلم تقتصر الكتب المدرسية على الرسوم والصور الدالة على الفتى وإنما كانت للرسوم الدالة على الفتاة حظ وافر.
وحول مدى إسهام المناهج في تنمية الشخصية المتوازنة للفتاة أوضحت لطيفة عبيد في ورقة عمل قدمتها للملتقى السنوي لأندية الفتيات في الشارقة أن منهاجي التربية الوطنية والدراسات الاجتماعية قد ركزا في أكثر من مرحلة دراسية على موضوع الأسرة في الإمارات من حيث مفهومها وحاجاتها وعلاقات الأسرة بعضهم مع بعض وفي هذا السياق ابرز الكتاب الفتاة كأم وابنة وتلميذة وشقيقة وكشف عن دورها وما يجب ان تتحلى به من قيم وأخلاق.
إضافة إلى تخصيص تلك المواد لوحدات كاملة تستهدف تشريب أفراد الأسرة التربية الدينية والاجتماعية والأخلاقية، كما أولت عناية فائقة لدور المرأة في المجتمع من خلال إبراز دورها قبل الاتحاد والدور المميز الذي أصبحت تتمتع به في ظل الاتحاد، مشيرة إلى أن منهاج اللغة العربية لم يبتعد عن هذه الجزئية وسلط الضوء على الدور الاجتماعي الجديد للفتاة الإماراتية مستعرضا مسيرة النهضة النسائية والقيم التي أرستها لمشاركة المرأة الرجل في بناء صرح الوطن.
العمل ركن أساسي من أركان تقدم المجتمع لهذا لم يعد قاصرا على الرجل دون المرأة وفي هذا السياق أبرزت المواد الدراسية هذا المحور خاصة في كتاب الدراسات الاجتماعية الذي أكد على عمل المرأة باعتباره قيمة اجتماعية واقتصادية وأخلاقية مرغوب فيها بل وتشريبها للفتاة بما يجعلها قادرة على الإسهام الفاعل في بناء المجتمع وتقدمه يدا بيد مع الرجل.
وذكرت أن المناهج تسعى أيضاً إلى إكساب المتعلمات المهارات الحياتية التي تفيدهن في حياتهن اليومية والمستقبلية وتشريبهن القيم الدينية والأخلاقية بما يكفل صون الذاتية الثقافية العربية الإسلامية لمجتمعنا وتقوية أواصر الترابط والتراحم والتكامل.
كل ذلك في إطار القيم الأخلاقية المستمدة من شريعتنا السمحاء وفي هذا السياق اضرب مثلا من منهاج التربية الإسلامية الذي تختار مواده من الصف الأول الابتدائي وحتى الثانوي بعناية فائقة ليسهم في تشكيل شخصية الفتاة وجعلها متكاملة البناء فكرا وثقافة وسلوكا حيث يعزز المنهاج عبر مواضيعه قيم التضحية بالنفس في سبيل الدعوة، والأخلاق الحميدة عبر إفراد نماذج للمرأة المسلمة لتمثل قدوة طيبة للفتيات، كما تركز المناهج على الشعائر الدينية والعبادات وضرورة أدائها بوصفها فريضة إيمانية.
وتحدثت لطيفة عبيد عن دور المناهج في تعميق انتماء الفتاة إلى وطنها حيث قالت: يبقى الوطن وتعميق الانتماء إليه والدفاع عنه وعن مكتسباته واحداً من أكبر القيم أهمية وأشدها خصوصية ومن هنا جاء ايلاء السياسة التعليمية هذه القيمة الأهمية اللائقة بها وتناولها لها من زوايا كثيرة ومنطلقات متعددة ولا ريب أن المناهج الدراسية قد سعت إلى توظيف الكتب والمواد التعليمية لجلاء هذه القيمة وتعميق الإحساس بها في نفوس الناشئة بما يكفل نموها وحضورها في عقولهم وأنماط سلوكهم.
نورا الأمير

