يقول الكثير من الناس إن الأجداد في الزمن البعيد، صنعوا «مكيّفات» من نوع آخر يستخدمونها بشكل مؤقت في فترة الصيف تسمى «البراجيل»، والتي هي عبارة عن أربعة أعمدة أو مربعات، ترتفع فوق البيوت الحجرية أو فوق بيوت «العريش» لتمنحها البرودة على مدار أشهر الصيف الستة.
وكان هذا الابتكار ضمن ابتكارات كثيرة اعتمدها الإنسان في ظل عدم وجود التقنية آنذاك، كما سكن البسطاء بيوت «العريش» واعتمدوا في بنائها بمواد كسعف النخيل والخيزران، وهذه البيوت التقليدية القديمة كانت خير شاهد على ابتكار الإنسان وصنع كل ما يمكن ان يساعده على الحياة.. واليوم وبعد دخول التقنية المتطورة، وإحلال «المكيفات المركزية» مكان البراجيل والفيلل والبنايات الشاهقة على أنقاض البيوت الشعبية، نجد أن المواطن الإماراتي مازال يحن إلى ماضيه ويتذكر حياته السابقة.
فعاد هذه المرة ليجدد بيوت العريش بأسلوب حديث يعتمد على نفس الأدوات القديمة مثل الخيزران وأشجار النخيل مضيفا لها أعمدة الحديد المسطحة لتحل محل الخشب، ومبتكرا أيضا من نفس المواد الخيمة العربية والاستراحة وغيرها من الأشكال. على أول مدخل المدام بإمارة الشارقة، يلفت نظرك تلك المجسمات المصنوعة من الخيزران والعريش والحصير، وهي بأشكال ونماذج مختلفة، حركة سريعة من عمال يتقنون المهنة وكأنهم الذي بنوا «البيوت القديمة» في ذلك العصر، حاولنا أولاً أن نبحث عن صاحب الورشة إذا جاز لنا تسميتها بذلك، فهي بعملها تصنع نماذج جميلة من حاجيات الناس، وعرفنا أن صاحبها هو خليفة راشد الكتبي، وقفنا لنطرح بعض الأسئلة عن ماهية العمل الذي يقوم به هؤلاء المبدعون.
محمد مزهر الحق من بنغلاديش يعمل في الورشة يحدثنا عن الفكرة التي انطلق منها المشروع فيقول: صاحب الفكرة هو نفسه صاحب العمل خليفة راشد الكتبي، وتقوم أساساً على إعادة التراث بقالب حديث، مثل بناء بيت العريش والاستراحة والخيمة العربية وأشكال أخرى يطلبها منا أشخاص هم بأنفسهم يضعون لنا تصاميمها، ونعتمد في مواد البناء بالدرجة الأولى على الخامة المحلية، مثل الحصير والعريش والخيزران واستبدلنا الحديد مكان الخشب لأسباب فنية.
وعن العملاء المولعين بشراء مثل هذه النماذج قال مزهر الحق: المشترون يأتون من كل إمارات الدولة وأغلب عملائنا هم من سلطنة عمان، حيث يرون في هذه النماذج إعادة لروح الماضي، فهي لا تحمل الشكل فقط وإنما طبيعة البيئة.
كذلك هناك الأجانب الذين يلفت نظرهم ما نصنعه، فنراهم يسألون ويستفسرون عن المادة الخامة التي نصنع منها هذه الأشكال، وكيف هي وهل هي مطابقة للبيوت القديمة في منطقة الخليج، كثير من الأسئلة نرد عليها بحسب ما نعرفه عن هذا البلد الذي عشنا فيه سنين طويلة.
ولكل واحدة من هذه النماذج مقاسات معينة وبالتالي لها سعرها الخاص.
وعن هذا الجانب يحدثنا معلم النجارة محمد حنيف أمير حسن، ويقول: أعمل في هذا المجال منذ عشر سنوات، وخلال هذه الفترة تعلمت أشياء كثيرة ساعدتني على تفهم البيئة الخليجية وخاصة في دولة الإمارات، وفي مجال السكن كنا نرى البيوت القديمة الذي يطلق عليها بيوت «العريش» ونسأل من أي المواد تصنع.
حتى أدركنا أن الحياة القديمة بكل بساطتها كانت أصيلة وكانت الناس تعيش في بيوت من صنع بيئتها لذلك عندما بدأنا نعيد هذه البيوت بأشكالها القديمة، ونضيف لها الاستراحات بنماذج مختلفة وغرف ذات أشكال ومقاسات صغيرة وكبيرة، عاد لشرائها الكثير من الناس، والمقاسات تختلف من شكل لآخر وأسعارها تبدأ من 4000 درهم وتصل إلى 9000 درهم.
يبنى بيت العريش من سعف النخيل وجذوعها، وتفرش بالحصر «جمع حصير» ويبنى على مواقع مرتفعة تسمى محلياً بالحدب أو الحزم، وكثير من هذه البيوت القديمة اندثرت، وبقي لها شاهد عيان في المناطق النائية أو من خلال قرى التراث التي بنيت في أكثر من مدينة.
الحصير
الحصير عبارة عن فرش تقليدي يستخدم في البيوت والأكواخ وأسقف المنازل والأسرة في الماضي البعيد، ويصنع من «السُفَّة» المأخوذ من خوص النخيل، إذ تؤخذ السُفَّة بطول عشرين باعاً وتُنقع بالماء لتليينها وتسهيل خياطتها، وبالخيط والمسلة «الدَفْرَة» تبدأ المرأة بخياطة السُفة مُشَكَّلَةً نقطة البداية «القلدة الأولى» التي توضع بين قدمي المرأة لتبدأ تشبيك شريط السُفَّة بها تباعاً وعيناً بعين مستخدمة الدفرة والخوص.
ويستمر التشبيك إلى أن تنتهي العشرون باعاً، ثم تُقطع طولياً بالسكين، وتُثنى نهاية السُفَّة «القلدة الثانية»، وتُخاط حواف الحصير بالدفرة والخيط، ثم تُنظف من الشوائب بعد أن يكون تصنيعها قد استغرق قرابة الأسبوع أو أكثر لتغدو جاهزة لفرشها في أرض البيت.
جميل محسن


