«لا افهم بدقة ما الذي يحدث معي، حيث إنني في كل مرة أجد نفسي مندفعة بالكامل للدفاع عن موقف ولدي أمام انتقادات شقيقاته له بالرغم من قناعتي المطلقة بأنه هو المذنب، وأن الحق إلى جانبهن، أنا متأكدة تماماً أن ما أفعله خطأ ولكن هذا هو واقع الحال».
بهذه الكلمات افتتحت «كلثوم عبد السلام» الحديث حول طبيعة تربيتها لأولادها في إطار التحقيق حول مسؤولية المرأة في إعادة إنتاج أدوات قهرها مجدداً من خلال التمييز الواضح في التعامل بين الأولاد والبنات بإعطاء الأولاد مساحة حرية كبيرة للغاية بداعي أنه ولد ومهما فعل ستبقى النتائج مقبولة اجتماعياً، وتضييق الخناق على البنت لأنها «بنت» وعاقبة كل ما تفعل جلب العار للأسرة.
وترجح «كلثوم» التي تعمل معلمة في وزارة التربية بأن ما تفعله نتاج لثقافة المجتمع التي تشربتها من والدتها ضمن حلقة لا تنتهي، هذه الثقافة التي تعطي الذكر الأولوية في كل شيء، لافتة إلى أن وعيها تشكل في منزل أسرتها على أن كل ما يفعله أشقاؤها صواب، بل ومن حقهم أن يفعلوا ما يريدون.
وأشارت «ساجدة عمران» طالبة جامعية إلى أن الوضع داخل أسرتها ذكوري تماماً، حيث تعرضت لتوبيخ شديد من والدتها لأنها انتقدت تصرف شقيقها الذي كان يعود بعد منتصف الليل مخموراً، بالإضافة إلى شائعات تلاحقه عن علاقات نسائية عديدة، لافتة إلى أنها تعرضت لتوبيخ أشد أقامت فيه والدتها الدنيا ولم تقعدها عندما وجدت رسالة غرامية في حقيبة شقيقتها الصغيرة التي مازالت في المرحلة الإعدادية، حيث طلبت من والدتها النظر للأمر من زاويتين.
لجهة سلوك شقيقتها الصغيرة وشقيقها آنف الذكر، فردت والدتها بالقول بأن ما يفعله شقيقها لا يجلب العار للأسرة فيما يمكن أن يشكل سلوك شقيقتها (الأرعن) عاراً لا يمكن محوه من تاريخ الأسرة.وتروي «جميلة صلاح» تفاصيل حادثة تعرضت فيها للضرب المبرح من قبل شقيقها الذي يصغرها بعامين بسبب رفضها تلميع حذائه .
حيث طلبت منه أن يقوم بهذا الأمر بنفسه فقام على الفور بضربها، مشيرة إلى أن المحزن في الأمر أن الحادث كله كان يتم على مرأى ومسمع الأم التي ساندت شقيقها في موقفه، معتبرة طلباته مشروعة وأن رفضها مدان تماماً.
التساهل مع الرجل
وقالت هاجر عبد الفتاح بأن التعاطف مع الذكر ظالماً أم مظلوماً هو ما ربيت عليه في منزل أسرتها، وبأن العيب لا يأتي إلا من الفتاة، مشيرة إلى أن التعامل معها وشقيقاتها من قبل الأم كان غاية في الشدة فيما يتعلق بالتصرفات والسلوك مع الآخرين وخصوصاً لجهة العلاقة مع الجنس الآخر.
فيما كانت غاية في التساهل مع أشقائها الذكور في هذا الجانب بل إنها كانت تتحدث بفخر شديد عن الفتيات اللواتي يطاردن ولدها وهو يتهرب منهن، كما وصل الأمر بأحد أشقائها أنه قام بإحضار صديقته إلى المنزل بناءً على طلب والدته لتتعرف عليها، وتشير «هاجر» إلى أن والدتها ردت على انتقادها حضور الفتاة إلى منزل الأسرة «معلش هو رجل».
ولفتت « بسمه عباس» إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بسماح الأم لأولادها الذكور باضطهاد شقيقاتهم الإناث، بل تعدى الأمر في كثير من الأسر ومن ضمنها عائلتها إلى تغاضي الأم مرات عديدة عن تطاول أشقائها عليها شخصياً والتسامح مع كثير من التصرفات التي تمثل تجاوزات أخلاقية كبيرة من قبل الأبناء مع أمهاتهم.
وأكدت الدكتورة «رحاب صابر» أستاذة علم الاجتماع على ضرورة كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها المرأة المضطهدة والتي تساهم هي نفسها بجزء كبير في ترسيخ الاضطهاد، لافتة إلى أن المجتمعات العربية ذكورية الطابع تربي أطفالها الذكور ليصبحوا في المستقبل رجالاً أسياداً ومطاعين، حتى إن المرأة ما زالت إلى يومنا الحالي عندما تتزوج وتنجب أطفالاً ذكوراً وإناثاً.
فإنها تربي ابنها الذكر ليكون قوياً ومتحكماً، بينما تربى شقيقته الأنثى على طاعة شقيقها وعدم عصيانه أوامره، بحجة أن الفتاة المطيعة هي المطلوبة والمرغوبة في المجتمع. وأضافت بأنه إذا كان أمر تعرض النساء للعنف من قبل الرجال في مجتمعاتنا المتخلفة كثير الحدوث، وإن كان مستهجناً ومرفوضاً من قبل البعض، إلا أنه مع ذلك يبقى أمراً مألوفاً من الغالبية فيما المستهجن هو اضطهاد المرأة للمرأة، أو أن تقوم المرأة باضطهاد ذاتها وبإعادة إنتاج أدوات قهرها.
لافتة إلى أن كثيراً من النساء في مجتمعاتنا مازلن مؤمنات بأن ليس لهن حق في إبداء رأيهن بمن سيقترنّ به، ومازال كثير منهن يؤمنّ بأنهن خلقن لخدمة الرجل سواء كان أخاً أم أباً ولاحقاً لتكون إحداهن مجرد خادمة، ووعاء لتلبية رغبات الزوج وشهواته.
وأما إذا صادفت تلك المرأة، امرأة أخرى تجادل الرجال وتدافع عن نفسها بقوة وتلبس بشكل مختلف.. فتقول عنها إنها امرأة فاجرة وفاسقة.. بينما هي لا تستطيع الخروج من دائرة الرضا بالخنوع الذي تربت ونشأت عليه في بيت أهلها ثم في بيت زوجها، وهي لا تدرك أن حالها كحال الأسير الذي يجهل أنه أسير.
خالد اللوباني
