«القهوة» أي جلسة القهوة من المظاهر الاجتماعية التي تميز بها مجتمع الإمارات منذ القدم، وإن ما طرأ عليها من تغييرات على مر السنين جعلها تتخذ منحى آخر غير ما كانت عليه في الماضي، كما تلاشت معالمها إلا في عدد قليل من المناطق والأحياء السكنية في الإمارات وبصفة خاصة في الساحل الشرقي الذي ما زال يحتفظ بجزء من أصالة التراث في أحضانه.

فهي عبارة عن جلسة تسامر بين الناس يتبادلون فيها أطراف الحديث. كما تعد «يلسة القهوة» الفرصة الأثيرة لاجتماع أبناء الحي السكني الواحد للحوار والسمر وتبادل الأحاديث، وقد لعبت قديما دورا اجتماعيا وفكريا وثقافيا، حيث كانت تجمع روادها عوامل مشتركة كالجيرة والقرابة والصداقة والمرحلة العمرية ذاتها.

ويقدم أصحاب «القهوة» القهوة العربية والتمر والحلوى لضيوفهم، وما يميزها أنها تحولت إلى مناقشات سياسية وثقافية وفنية يتم فيها مناقشة كافة القضايا التي تهم المجتمع المحلي الإماراتي بعدما كان الناس يقومون قديما بإنجاز الأعمال اليدوية المختلفة من حياكة الملابس أو أدوات الصيد والمنزل وصناعة الخناجر ومستلزمات الأعمال الحرفية والقراقير بالنسبة للرجال.

كما كان الباعة المتجولون من نساء ورجال يتجولون في المقاهي المختلفة من أجل بيع منتجاتهم من الأقمشة والمصوغات والبخور. ولا يزال حي من أحياء منطقة حطين بخورفكان يزخر بجلسة القهوة صباحا منذ الساعة الثامنة لغاية الساعة 12 ظهرا ومن الساعة الرابعة إلى الثامنة مساء، في كل يوم في منزل سندية مبارك (أم سالم).

ربيعة مبارك (أم إبراهيم) تتحدث عن تاريخ «يلسه القهوة» وتقول إنه يرجع إلى ماضي الإمارات القديم حيث كانت الجلسة عبارة عن مكان أو غرفة خارجية، قد يكون مصنوع من الطين أو العريش وبالغالب تكون الجلسة بالهواء الطلق والأجواء الجميلة بالحوش «الحوي» في منزل معين، وحاليا إما في المجلس أو الجزء الأمامي والخارجي من المنزل.

حيث تفترش الأرض بالحصير آنذاك مع وضع مساند من المشغولات اليدوية، ويتوسطها الموقد الذي تصنع عليه القهوة والشاي. وتقوم النساء بتجاذب أطراف الحديث والخياطة وإنجاز الأعمال المنزلية، مبينة بأنها كانت عاملاً مهماً لصلة الأرحام ورؤية الأصدقاء والأقارب وهي روح المحبة السائدة والطابع المميز خلال تلك الفترة.

لافتة إلى أن التطور الثقافي والحياة المعيشية وظهور وسائل حديثة للاتصال وتجاذب الحديث كالانترنت والتليفون والأندية العلمية والرياضية وغيرها ألغى نوعا ما دور جلسة القهوة إلى جانب التغير في أثاثها واختفاء مظاهر الضيافة في القهوة العربية وأصبح إعدادها داخل المنزل والخادم يجلبونها ويقدمونها للضيوف، وأصبحت كل امرأة تجلب الأكل معها للتنويع في المائدة.

كما تشير (ربيعة مبارك) إلى اختفاء «القهوة» الآن عن الواقع المعيشي للمجتمع المحلي الإماراتي وأصبح ارتباطها بصورة كبيرة مع كبار السن، لالتصاقها بالمفهوم الاجتماعي والتراث المتأصل في وجدانهم بأهمية التسامر وتبادل أطراف الحديث حول مجمل القضايا الاجتماعية والاقتصادية وأيضا السياسية والدينية.

بالإضافة إلى حل بعض القضايا المتعلقة ببعض الأشخاص من خلال المعارف والأصدقاء، فهم ما زالوا يحافظون على عقدها في الصباح الباكر، حيث مازالوا يلعبون «الدامة» وهي لعبة قريبة من الشطرنج والورق والتي أتت بديلة للفنون الحرفية القديمة وذلك في منتصف السبعينات من القرن الماضي.

نكهة القهوة في رمضان حنين وذكريات

تمثل «القهوة» في شهر رمضان مظهراً يميز الشهر الكريم، حيث كانت النساء يجتمعن مع بعضهن البعض عقب صلاة التراويح وذلك ينطبق على الرجال كذلك الذين بدأوا في الوقت الحالي يلتقون في المجالس و المقاهي.

وتتحدث (أم عبدالله) عن جلسة «الفواله» في رمضان التي يكون موعدها بين فترتي الإفطار والسحور وبالتحديد بعد صلاة العشاء والتراويح حيث يتخللها تناول وجبة طعام خفيفة وحلوى شعبية منوعة، ويتم تناول الأحاديث في مختلف الموضوعات الدينية منها الاجتماعية والثقافية .

مما يضفي على الجلسة مزيدا من البهجة والسرور، وتذكر (أم جمال) بأن جلسة القهوة كانت تأخذ طابعا آخر يتميز بإقامة مآدب الإفطار أول السحور في أي بيت خلال أيام الشهر الكريم، وتبقى أبوابه مفتوحة من ساعة الإفطار حتى تقريبا موعد السحور.

ناهد مبارك