صدق من قال: أعطني عمراً والقني في البحر.. فلقد شهدت الحادثة التي سأرويها لكم بأم عيني. فلقد كنت مع مجموعة من الأصدقاء وأثناء إجازتي السنوية في مدينة بومباي الهندية. وفي ثاني يوم لنا وفي منطقة بوابة الهند الشهيرة التي يعرفها جميع مرتادي بومباي، وحيث يحتشد جمع من الناس للتنزه في المساء.
كانت امرأة متوسطة العمر تجلس على حائط مرتفع يستخدم ككاسر أمواج بمحاذاة البحر. وما بين غمضة عين وانتباهتها إذا بتلك السيدة تسقط من أعلى الجدار هاوية في البحر العميق المتلاطم الأمواج. وكانت المفاجأة أن السيدة لا تعرف السباحة. ولكن لله في خلقه شؤون تتدخل عنايته في اللحظة المناسبة فإذا بشابين في مقتبل العمر، هزهم الموقف. فثارت حميتهم وأبت نفوسهم إلا أن يكون لهم دور إيجابي في ما حدث، فإذا بهما يتجردان من نكران الذات ويقفزان من ذلك العلو الشاهق إلى عمق البحر والالتفاف من حول السيدة الغريقة وإمساكها وسط تلك الأمواج التي تتقاذفها في حين هرع بعض المتواجدين إلى إحضار حبل غليظ لتمسك به المرأة.
ولكن في كل مرة تفشل بسبب حالة المرأة الصحية والنفسية ولعلو المسافة.. استمر الموقف.. وازدادت مهمة الرجلين صعوبة والمرأة ترى الموت أمامها في كل لحظة.. بل في كل جزء من اللحظة. جمع كبير من الناس احتشد والليل بدء في إسدال ستاره على المدينة هنا قرر الجميع: لا غنى من أن يقوم الرجلان بحمل المرأة على أعناقهم ويتم سحبهم ثلاثتهم بالحبل إلى أعلى الرصيف، تكرر المشهد مرات ومرات ولكن لم يكتب لأي محاولة النجاح.
كم مضى من الوقت على هذا الموقف المبكي المحزن وأنا أرى فيه كتابة شهادة وفاة امرأة. وربما امرأة ورجلين مضت خمس وأربعون دقيقة. نعم خمس وأربعون دقيقة مرت والجميع ينظر إلى هذا المشهد المأساوي المبكي.. وشهد محاولات يائسة بائسة في سبيل إنقاذ أرواح الثلاثة بعد أن كانت روحا واحدة.
يا إلهي أنك على كل شيء قدير: هذا زورق نزهة يلوح في الآفاق، الكل يلوح له بيديه ليجذب أنظار أصحابه.. فيرد أصحاب الزورق رافعين أيديهم ظنا منهم بأنها تحية لهم.. فيغير قائد الزورق من مساره في الاتجاه المقصود سابقا إلا أنه أمام أيادي الحشد المرتفعة وأصوات الاستغاثة غير قائد الزورق مساره باتجاه الحشد وعند اقترابه يصطدم بعقبة ارتفاع الأمواج في مكان الحادثة.
وبعد جهود مضنية تم انتشال المرأة والرجلين على ظهر القارب وهم في حالة يرثى لها من التعب والإرهاق، كانت المرأة في حالة من الإغماء.. غير مصدقة لما حدث أو أنه كتب لها ولادة جديدة. وانطلق بهما الزورق نحو الميناء وانطلق معها فضولي الصحافي لمتابعة ما سيحدث هناك من مستجدات.
سيارة الإسعاف في الانتظار، لعمل الإسعافات الأولية لهم وبالتالي نقلهم للمستشفى لعلاجهم عما أصابهم أثناء ارتطامهم بالصخور وتسرب الماء لجوفهم.. هذا ما شاهدته بأم عيني.. ألم يقولوا أعطني عمراً وألقني في البحر.. إن الأعمار بيد الله سبحانه وتعالى.
خلف حمد ثاني ـ عجمان

