ما إن يهل فصل الصيف وتبدأ تباشيره بالظهور حتى يبدأ الاهل بالبحث الدؤوب عن المقيظ هروباً من لسعات الحر القاسية ولاقتناص النسمات الشرودة التي تتناثر على رؤوس جبال رأس الخيمة أو في دبا ومسافي في الساحل الشرقي ..

وما إن تسمع صوت «الصرناخ» بين الحين والآخر حتى هو الآخر يذكرك بفصل الصيف، وتباشيره تهل بتساقط أول أنواع الرطب والذي يعرف «بالنغال»، وتلك العرش التي تبنى في مناطق مرتفعة قليلاً للتخفيف من وطأة الحر، وتجتمع النساء في «رايح» العريش لتجاذب أطراف الحديث. وهن ممسكات «بالكاجوجة» لصناعة التلي والبادلة على ملابس النساء، وتسمع أصوات الصغار وهم يمارسون الألعاب الشعبية، و«البنيات» يلعبن «الصقلة» أو «الميرحانه».

وعند حلول وقت العشاء تعدّ النساء الأكل لأفراد الأسرة مثل الخمير أو الجباب وتضع الرز مع اللبن والرطب مع «الجامي»، فكانت الأسرة في نهاية فترة الصيف تنتظر وبفارغ الصبر عودة أهاليهم من رحلة الغوص، وهم محملون بالخيرات من البلدان التي زاروها. ولنتعرف على المزيد من التفاصيل رجعنا إلى بعض الأهالي الذين عايشوا تلك الفترة، حتى نعيش بعضاً من حياتهم في القيظ.

يتذكر محمد بن عبدالله الذي يبلغ من العمر ثمانين عاماً، أيام الصيف في الماضي (القيظ) بقوله: «يبدأ فصل الصيف بمجرد ظهور نجم «الثريا»، فيمكن مشاهدته بوضوح بعد صلاة الفجر، وكذلك يبدأ القيظ بمجرد ما تتحول نسمات الربيع الباردة إلى الجافة والرطوبة المتزايدة، فينتقل المواطنون من المناطق الداخلية إلى المناطق الخارجية».

ويضيف بن عبدالله عن مناطق أهل (ديرة) بقوله: «ينتقل المواطنون من مناطق سكنهم إلى مناطق أكثر قرباً من البحر، فهم يقطنون في فريج المرر الأولى والثانية، كذلك فريج عيال ناصر، وفريج الضغاية والراس في فصل الشتاء، وفي فصل الصيف يرتحلون إلى منطقة البراحة والتي هي بالقرب من مستشفى الكويتي (مستشفى البراحة في الوقت الحالي)، والوحيدة والممزر».

أما بالنسبة لمناطق أهل (بردبي) فيقول: «الشندغة والجافلية هي المناطق التي يسكنونها في فصل الشتاء، وينتقلون في الصيف إلى الجميرا ومناطق قريبة من ميناء راشد، ويمتد فصل الصيف تقريباً أربعة شهور، وقد يبقى البعض منهم لقضاء شهر رمضان الكريم، أما بعض الأهالي المقتدرين كانوا يرتحلون إلى العين واحة الصحراء، كذلك إلى الباطنه وغمضى، وغليلة في رأس الخيمة، ومنطقة خصب التي تقع في سلطنة عمان».

فواكه صيفية

ويصف موسم الصيف في العين: الخضرة تعانق الرمال الصحراوية والصخور الجبلية، وكنا نستمتع بسماع خرير المياه العذبة التي تنساب في الأفلاج، ونستبشر بتساقط حبات الرطب التي نتلذذ بها طوال الصيف فهو يعتبر فاكهته الرئيسية، بالإضافة إلى الهمبا (المانجو) واللوز والترني (نوع من أنواع البرتقال)، والليمون. ويضيف عن طريقة بناء بيوت القيظ: يعتبر العريش من أفضل المساكن التي يتم بناؤها في هذه الفترة.

وذلك كون العريش يُدخل الهواء من كل جانب، وذلك لطبيعة المواد المصنوع منها وهي سعف النخيل، ويتم بنائها بمبلغ ست روبيات تقريباً، وتفرش من الداخل «بالحصر» وهي كذلك مصنوعة من سعف النخيل، ويرش الماء على أطراف العريش من الخارج حتى إذا لامسته النسمات تكون باردة علينا، وهي وسيلة لتبريد الهواء فذاك الزمن لم يكن في أي مكيفات أو وسائل التبريد الحديثة الموجودة في الوقت الحاضر.

ويذكر: كما هو معروف أن مع بداية فترة القيظ تبدأ رحلة الغوص، فتودع النساء الرجال بعد أن صنعوا أو امنوا لهم مكاناً لقضاء القيظ فيه بصناعة العرش وجلب المؤن، فرحلة الغوص تنتهي تقريباً بنهاية موسم القيظ، لذلك كانت البيوت تصنع قريبة جداً من بعضها البعض، فالجار يسمع صوت جاره، ويدخلون على بعضهم البعض ليطمأنوا عليه، فالنساء يتبادلون الأحاديث خلال فترة الصباح الباكر ويتناولون «الريوق» الإفطار، والبعض منهن يتسلون في صناعة «البراقع» أو الخياطة.

رياح الكوس

ومن جانبه يقول المواطن سعيد بن جمعه من الشارقة البالغ من العمر خمساً وسبعين عاما عن الرحلات التي يقومون بها خلال فترة القيظ: كانت تنظم رحلات أسبوعية من العين إلى أهل الحضارة وهي أبوظبي ودبي، ويقوم الكريان (مؤجري الإبل) بتنظيم رحلات إلى دبي وأبوظبي تمتد إلى ستة أيام بلياليها.

ويشترون السمك المجفف (العومه) والعوال والقهوة والطحين بتبادل الرطب والهمبا، كما وإن هناك رحلات تنظم عن طريق البحر من الشارقة ودبي إلى ابوظبي، وتستمر أربعة أيام، ومن ثم يؤجرون الإبل لتوصيلهم إلى الواحات المتفرقة هناك.

مقايظ الإمارات

يتحدث الوالد سعيد بن جمعة من الشارقة البالغ من العمر خمساً وسبعين عاما عنالمقايظ قديماً فيقول: تنوعت مقايظ الإمارات قديما بين دبا ومسافي في المنطقة الشرقية بالإضافة مقايظ الجبلية في رأس الخيمة مثل خت والحيل ومعيريض وشعم.

لأن رياح الكوس الباردة تهب عليها في شهور الصيف من جهة بحر العرب فتنخفض درجة حرارتها وتكثر فيها خلايا النحل التي تعتبر مصدرا هاما للعسل الطبيعي في هذه المقايظ أما مقايظ الواحات الزراعية فهي عادة مناطق السهول الزراعية التي تكثر بها أشجار النخيل خاصة مناطق الساحل الشرقي والذيد وفلج المعلا وحتا ومصفوت وواحات العين.

روضة السويدي