لا تزال الأحياء العشوائية المتناثرة في مناطق مختلفة من الساحل الشرقي، صامدة ببيوتها المتهالكة التي بقيت على وضعها منذ أكثر من 25 سنة ومعاناتها من نقص الخدمات الأساسية وعشوائية البناء وغياب التخطيط أمام رحلة التحديث التي تشهدها المنطقة الشرقية وفي ظل محاولات بعض الجهات المعنية والتي مازالت تحاول تنظيم هذه الأحياء.
إلا أن محاولاتهم تصطدم ببعض العوائق مثل ضيق الشوارع ورفض بعض أصحاب المنازل بيعها، مع أن المواطنين قد هجروها منذ فترة طويلة ليقطن مكانهم آلاف من العمالة الوافدة التي تعمل في المنطقة إضافة إلى وجود العديد من المنازل المهجورة التي لا يوجد بها أحد. فهذه الأحياء بمثابة قرى حضرية غير شرعية اكتسبت في أجزاء كبيرة منها صبغة عرقية معينة، حيث تجد وسط هذه الأحياء العديد من المشاغل ومحلات الخياطة والمطاعم والأفران والبقالات ودكاكين الحلاقة وغيرها التي أقامها العديد من الوافدين بعيدا عن أنظار الجهات المسؤولة، وأتاحوا من خلالها العمل للكثير من المخالفين أو من ذوي الدخل المحدود الذين تحتضنهم هذه الأحياء.
فالأزقة في الكثير من هذه الأحياء مازالت ترابية وملوثة وشوارعها ضيقة وملتوية ولا تشملها الخدمات الأساسية وعمليات التأهيل والإصلاح، لذا أصبحت بما تحتويه من السمات غير الحضارية والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية قنابل موقوتة وبقعاً سوداء جراء تضخم رقعتها وتكاثر سكانها لدرجة أن تصل إلى مرحلة الانفجار بحيث يصعب الدخول إليها والخروج منها والتعاطي معها كجزء من منظومة تلك المناطق. ورأى العديد من الأهالي بأن هذه الأحياء هي عبارة عن مساكن شعبية قديمة انتهى عمرها الافتراضي منذ سنين طويلة إلى جانب افتقارها للخدمات الأساسية فضلاً عن ضيق الشوارع وعدم وجود الصيانة اللازمة وكذلك عشوائية المباني والمحلات التجارية.
فبعد أن طال النطاق العمراني كثيراً من المناطق أصبح وضع هذه الأحياء ملفتا وواضحا للأعيان، ما يثير خوفهم من الاستمرار في تجاهلها من قبل الجهات المعنية، الأمر الذي قد يؤدي إلى أن تكبر ومن ثم قد يصعب علاجها. فبعض المناطق في الساحل الشرقي كالتي في البدية ودبا الفجيرة والبردي والرفاع بخورفكان والعود والسور بكلباء وعدة مناطق في الفجيرة لا تزال بعيدة عن التجديد، فهناك مناطق سكنية قديمة ومعروفة تحولت إلى مناطق منسية بعيدة عن عمليات تحديث مرافق الخدمات والبنى التحتية بها، فأصبح حالها لا يتناسب إطلاقاً مع النمو العمراني الجديد حتى صارت أشبه بعشوائيات بالية في قلب المناطق الحضرية الجديدة.
موضحين في الوقت ذاته وجود بيوت لعدد كبير من المواطنين يسكنون هذه الأحياء إلى جانب وجود الكثير من المنازل تكثر فيها المخالفات كوجود المشاغل النسائية غير المرخصة وأوكار العمليات المخالفة كحيازة وشرب الخمر وتحرير المكالمات ومصانع السلع المقلدة والغش التجاري في السلع الغذائية والجرائم.
مشيرين بأنه على الرغم من الجهود التي تبذلها الجهات الأمنية إلا أنه مازال هناك مخالفات أمنية عديدة، لافتين إلى أنه لا سبيل لإصلاح الأوضاع في هذه الأحياء إلا بإزالتها وإعادة تخطيطها وتطويرها بشكل جيد لأن وجود مثل هذه المناطق يشوه الوجه الجمالي للمنطقة ويقلق الأهالي جراء تحويلها إلى مدن مصغرة للعزاب من العمالة الوافدة وخصوصاً الأجنبية منها.
ففي جولة لنا على إحدى تلك الأحياء وأشهرها الحي العشوائي بالبدية تبدت ظاهرة مقلقة ومشوهة للنمط العمراني والسكاني في المنطقة حتى صار أشبه بمصنع ضخم لكثرة الورش والعاملين الذين يقومون بنقل الآلات والسيارات التالفة وقطع الغيار في المنازل والأحواش كمستودع لهم، وبالغ البعض منهم فبدأ بممارسة نشاطه من أمام باب منزله.
وأصبح مكاناً لتجمعات عدد من الصبية ومأوى تسرح وتمرح به الحيوانات الضالة بكثرة خصوصا الكلاب والقطط التي باتت تشكل خطراً على سكان هذه المناطق وخاصة الأطفال الذين يلعبون بصفة دائمة في شوارع هذه الأحياء، إلى جانب انتشار النفايات والسيارات المنتهية الصلاحية فضلا عن قيام الجاليات الأجنبية بممارسات مخلة بالآداب وتخدش الحياء العام.
ومن جانبها، قالت المواطنة بدرية عمر بأنها ظاهرة عجيبة وغريبة للغاية، حيث ما زال الحي موجودا منذ وقت طويل حتى الآن دون تنظيمه أو تخطيطه، والغريب في الأمر هو وجوده في مقدمة منطقة البدية مما يفقد المنطقة جمالها العمراني والتخطيطي، مبينة بأن الكثير من هذه البيوت مهجورة ومهملة ما يجعلها مكاناً منسياً ومتنفساً للأعمال المخالفة وغير القانونية، لافتة إلى أن الكثير من أصحاب تلك البيوت الشعبية المؤجرة لهؤلاء العمالة لا يتواجدون في تلك الأحياء ولا يدرون ما يجري في بيوتهم من مخالفات.
كما أضاف المواطن عبدالله حسن بأن معظم المنازل في هذه الحي العفوي والأحياء العشوائية الأخرى المنتشرة على طول الساحل الشرقي، لا يمكن أن يسكن فيها إلا هؤلاء العزاب من العمالة الوافدة وأحيانا المخالفون لنظام الإقامة لأن معظم تلك المنازل مهملة ومشوهة وقديمة وتفتقر لأبسط مقومات السكن المناسب ولاسيما بعد أن انتقلت عائلاتها إلى منازل أخرى جديدة.
ولم يبقَ سوى عدد قليل من السكان الذين غالبا ما يكونون من ذوي الدخل المحدود ولم يحصلوا على بيوت سكنية جديدة، مبينا أن حال هذه الأحياء لا يمكن أن تصلح إلا إذا تمت إعادة تخطيطها وتطويرها أو إزالتها حتى يتسنى إعادة تأهيلها في ظل التطورات العمرانية والاستثمارية والسياحية التي تشهدها المنطقة، وفي إطار ذلك على بلدية دبا الفجيرة أن تعيد تخطيط هذه الحي طالما أن البدية تتبع صلاحياتها وتدخل ضمن مسئوليتها.
ومن جهة أخرى، بين علي قاسم - هندي الجنسية، الذي يعيش في هذه الحي منذ 10 سنوات ويعمل بائعاً في إحدى المحلات التجارية بأنه عاجز عن الخروج من هذا الحي والبحث عن إيجار آخر وذلك لارتفاع الإيجارات في الأحياء المنظمة، فالكثير من المشكلات التي نعاني منها في هذا الحي مثل ضيق الشوارع وقدم المنازل لكونها أنشئت في فترات متباعدة بشكل عشوائي.
حيث أوضح زميله عبدالقادر بأن هذه الأحياء تؤوي عدداً كبيراً منهم لقلة الإيجار فيها أو في أحيان كثيرة لا يدفعون إيجاراً بالأساس لأنهم سكنوها بشكل عشوائي، مشيرا في الوقت ذاته إلا أنها أشبه بقرى بلدانهم التي كانوا يعيشون فيها حيث على الرغم من قدمها إلا أنها تفي بالكثير وخصوصاً في الوقت الحالي في ظل الغلاء المعيشي الضخم. كما أشار خليل - بنغالي الجنسية الذي يعمل خياطاً في منطقة البدية بأن هذه المنازل المكان الوحيد القادر على إيوائهم، فلا توجد مساكن للعمال يستطيعون بها ترك هذه الأحياء والعيش في منازل جيدة وصحية.
خطط قيد الدراسة
وفي السياق ذاته أوضحت بعض الجهات المعنية بشأن هذه الأحياء العشوائية عن وجود خطط موضوعة بعضها مازال قيد الدراسة والبعض الآخر قيد التنفيذ. فقد أفاد صالح حميد النقبي رئيس بلدي خورفكان بأن هناك فعلياً في جدول أعمال المجلس خطة عملية مدروسة في حيز التنفيذ بالتعاون والتنسيق مع الجهات المعنية ممثلة بدائرة التخطيط والمساحة والبلدية.
وذلك من أجل تصحيح أوضاع تلك الأحياء العشوائية في عدة مناطق من خورفكان في الحياوه والرفاع والبردي من خلال تطويرها وتحسينها وإعادة تأهيلها بتحديد مواقعها بدقة وتثمينها وتعويض أصحابها بحيث سيساهم بشكل كبير في الحد من المخالفات التي تمارس فيها، مشيرا إلى أنه أنشئ سكن للعمال في منطقة الصناعية بالزبارة، إضافة إلى عقد اتفاقيات مع الشركات والمؤسسات التي تنفذ أعمالها بالمدينة بتأمين سكن لعمالها في ذات المنطقة.
شكاوى عديدة
تحدث المهندس حسن سالم اليماحي مدير بلدية دبا الفجيرة بالإنابة حول ظاهرة الأحياء العشوائية في بعض المناطق التابعة لمنطقة دبا وتكدس العمال العزاب خاصة من الآسيويين في وسط الأحياء السكنية بأن هناك الكثير من الشكاوى من هذا الأمر، إلا أنها لم تجد طريقها للحل.
حيث إن العمال الآسيويين متكدسون في المناطق والأحياء السكنية القديمة التي لا يوجد فيها أسر، وفي الفترة الماضية حصلت بعض التجاوزات وقامت بعض الشركات بتسكين عمالها في أحياء سكنية جديدة وتم إجراء اللازم وإخلاؤها، أما بخصوص المناطق القديمة فيجري الآن إخلاؤها حيث تم تخصيص منطقة في دبا من أجل تسكين العمال بعيدا عن سكن العائلات وقريبة من المنطقة الصناعية وسيتم نقل العمال لهذه المنطقة فور الانتهاء من توصيل الكهرباء.
ناهد مبارك


