الإعاقة ليست مجرد قضية طبية أو صحية، بل هي قضية إنسانية ومجتمعية تمس مختلف فئات المجتمع وشرائحه، وهذا ما أكدت عليه اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والتي بادرت الإمارات بالتوقيع عليها، لذلك فإن توفر البيئة المؤهلة والآمنة للمعاقين، هي من أساسيات تحقيق مشاركتهم المجتمعية في مختلف مجالات الحياة، الأمر الذي يدعو إلى نشر ثقافة دراسة وسياحة وعمل المعاقين في المجتمع، والمساهمة في تحقيق وتلبية متطلباتهم واحتياجاتهم الخاصة، مما يعزز من تكيفهم وممارسة حياتهم الطبيعية بشكل مستقل.

هذا أول الحديث الذي دار بيني وبين ماجد العصيمي الذي أصيب بشلل الأطفال نتيجة خطأ في التشخيص الطبي تعرض له، وهو يتعثر في خطواته الأولى بعمر السنة ونصف السنة، حيث أصيب بنوبة حرارة شديدة، ووصف له الطبيب 120 إبرة خافضة للحرارة لمدة أربعة شهور، مما أدى إلى إصابته بشلل الأطفال.

لكن تعلق ماجد بالحياة وحبه لها وتواصله مع الواقع جعلاه يتعايش مع مشكلته، وينخرط فيها رغم الصعوبات التي واجهها من قبل المحيطين والمجتمع بأكمله، وتغلب عليها ليحقق جزءاً كبيراً من أحلامه وطموحاته، والدافع وراء ذلك قوة الشخصية والثقة بالذات التي تلمسها بمجرد تبادل أطراف الحديث مع هذه الشخصية خفيفة الظل والمليئة بالثقافة والمعلومات.

درس ماجد في مدارس خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة، وفي عام 1980 ظهر قرار دمج هذه الفئة مع الأسوياء في المدارس الحكومية، وعانى ماجد من الصف الخامس ابتدائي لغاية إنهائه الثانوية، من هذا القرار الذي وصفه بأنه مغامرة وزارة الشؤون الذي اتخذت فيه مثل هذا القرار، ونفذته دون دراسته والتأكد من توفر الخدمات والمرافق الصحية للمعاقين، خاصة أن عملية التنقل من الفصل إلى المختبرات الموجودة في الطابق الثاني صعبة للغاية، وانتظار المساعدة دائماً من المعلمين أو الطلاب أو الفراشين، تشعر الطالب في الضعف والإهانة، كونه لا يستطيع التحرك بمفرده كباقي أقرانه.

مسيرة كفاح

تابع ماجد دراسته في تقنية دبي وكان ثاني طالب معاق في الكلية، وبرغم من أن مدرسته التي تخرج منها والكلية التي التحق بها يفصل بينهما شارع، إلا أن الانتقال كان بالنسبة إليه نقلة نوعية، كما لو أنه انتقال من بلد إلى آخر يحفظ كرامته، لأن المعاملة الجيدة والمليئة بالتقدير والاحترام التي حظي بها ماجد منذ اليوم الأول الذي داوم به من قبل المدير زادت ثقته بنفسه وإصراره على مواصلة تعليمه بكل راحة.

حيث إن المدير أعطاه مفتاح دورة مياه خاصة به، وقدم موقف السيارة الخاص به لماجد، كما أن توفر المنحدرات داخل مبنى الكلية ساعده على التحرك بسهولة ودون احتياجه إلى مساعدة الآخرين، وتخصص في إدارة الأعمال وحصل عند تخرجه على تقدير دراسي ممتاز مع مرتبة الشرف.

تأخذ الرياضة جزءاً كبيراً من حياة ماجد، لأنه تعلم منها الصبر، والتحدي، والمجازفة، والأخلاق الحميدة، حيث يمارس عدة ألعاب مثل الدراجات، والرماية والبولينج وكرة السلة على الكراسي المتحركة، بالإضافة إلى أن الرياضة كما وصفها ماجد تشكل الصوت المسموع لهذه الفئة، والذي ساعدها على توصيل رسالتها واعتراف أفراد المجتمع بوجودها وقدرتها على العطاء، خاصة بعد الانجازات التي حققها أبطالها، حيث ساهموا برفع علم الدولة في الكثير من المحافل العربية والعالمية.

ومن ثمرات ذلك أن ماجد أصبح بطلاً عربياً وحصل على عدد من الميداليات أثناء المشاركة في البطولات العربية والدولية في فترات سابقة، أما الآن فهو يشغل مناصب عدة منها عضو مجلس إدارة دبي الرياضي، وعضو مجلس إدارة نادي دبي للرياضات الخاصة، ورئيس قطاع الرياضات الخاصة في مجلس دبي، والمدير الوطني للاولمبياد الخاص.

نظرات الناس

أما عن المشكلات التي واجه في ماجد في حياته الاجتماعية، فكانت تنحصر سابقاً في نظرة الناس، لكنه تجاوز تلك النظرة عبر اختلاطه بالمجتمع واثبات ذاته من خلال انجازاته فنجح في عمله في الهيئة العامة للشباب وتفوق في دراسته على أقرانه الأسوياء، وعمل كل شيء يستطيع أي إنسان سوي القيام به.

كما أنه مثل غيره من ذوي الاحتياجات الخاصة يتذكر معاناته الدائمة عند السفر بدءا من المطار إلى الجلوس في الطائرة وأماكن الإقامة في البلد الذي يسافر إليه، لأن هناك نقصاً كبيراً في الخدمات في العديد من المطارات، ونقص معرفة طواقم الضيافة بكيفية التعامل مع هذه الفئة، وأيضاً فقدان الخدمات المتوفرة بدورات المياه بالطائرات.

لذا طلب من الجهات المختصة الاستفادة من التعامل الحضاري بالمطارات الغربية مع هذه الفئة مؤكداً أن ما تطلبه هذه الفئة لا أن تكون عالة على احد بل توفير احتياجاتها والتعامل معها بشكل متحضر، خاصة أن البيئة المؤهلة تعتبر حقا كفلته الدولة للمعاقين من أبنائها والمقيمين فيها.

وذلك من خلال القانون الاتحادي رقم (29) لسنة 2006 في شأن حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة، انطلاقاً من مبدأ حرية الأشخاص ذوي الإعاقة في الوصول إلى مختلف المرافق والخدمات المقدمة، والاستفادة منها أسوة بالآخرين، حيث ينص الفصل الخامس من القانون المذكور على ضرورة تقديم الجهات المعنية مختلف التسهيلات الخاصة بالمباني، ووصول المعاق إلى المكان الذي يستطيع غيره الوصول إليه.

سمانا النصيرات