«في البدايات الأولى لزواجنا كانت الشجارات دائمة بيني وبين زوجتي لأسباب تتعلق بإهمالها الدائم لاحتياجاتي ولشؤون أبنائي، ومنحها الخادمة الدور الأكبر لتصريف أمور المنزل والعائلة إجمالاً، فيما تفرغت هي بالكامل لزيارات الصديقات والتسوق، هذه الشجارات ما لبثت أن تراجعت حدتها بفعل التعود على أسبابها وأصبحنا كأفراد في العائلة نعيش وكأن كلاً منا يقيم في جزيرة منعزلة».
بهذه الكلمات لخص «حمدان» حقيقة الوضع الذي يعيشونه كأسرة عقب استقالة الزوجة من دورها كأم وتحولها إلى مجرد زوجة وأم شكلية فيما تقوم الخادمة بدورها الفعلي، هذه القضية ليست فردية مطلقا، إذ بمجرد توجيه السؤال لشرائح مختلفة من الجمهور رجالاً ونساءً حول تراجع دور المرأة الإماراتية كزوجة وأم نجد الإجابات تنهال علينا مؤكدة في غالبيتها أن القضية ليست فردية مطلقاً بل تمثل هماً جماعياً وإشكالية اجتماعية توجب التوقف أمامها. حيث أشار الكثير ممن استطلعت آراؤهم إلى تراجع مشاعر الود بين الزوجين وتسلل البرودة إلى أوصال العلاقة بينهما، فيما أصبحت الخادمة على مسافة أكثر قرباً من تفاصيل حياة الأبناء من أمهم، وغدا التماسك الأسري مجرد غطاء شكلي يخفي الكثير من التفكك (على حد تعبير البعض منهم). والمثير للدهشة أن تكلفة الإنفاق على الخادمات بلغت أرقاماً مذهلة تصل إلى أكثر من ثلاثة مليارات درهم سنوياً.
ولا شك أن الإشكالية الحقيقية تكمن في كون الأمهات. . الزوجات قد أوكلن دورهن لأخريات ليقمن به تجاه أزواجهن وأبنائهن والذي يعكس حالة من الاستعلاء على الأعباء والمهام المنزلية ورغبة بالإستفادة من حالة الرفاه التي عليها الدولة بتجاهل أدوارهن الطبيعية متناسيات النتائح الكارثية التي ستصيب الأسرة الإماراتية على المدى البعيد جراء هذا السلوك والذي سيتمظهر في علاقة زوجية مربكة ومثلها بين الام والأبناء. حمل «حمدان» أحلامه الوردية قبل إقدامه على الزواج ببناء حياة مشتركة مع الزوجة يجري اتخاذ كافة القرارات فيها بالاتفاق بينهما، كما كان يحمل رؤية جميلة منطلقة من أفكار عديدة ذات طابع علمي لتربية الأبناء، مؤكداً بأن ذلك كله بقي مجرد حلم لم يتحقق، وتحولت الحياة بينهما إلى صراع دائم كان من الممكن أن ينتهي بالطلاق لولا الاعتبارات القبلية التي حالت دون ذلك، ولكنها لم تنجح مطلقاً في رأب الصدع بينهما.
وأشار إلى أن الوضع بينهما بقي متوتراً، ولم يفلح الأطفال الذين دخلوا حياتهم في إنجاز التهدئة المطلوبة، بل ازدادت الأمور ترديأ انطلاقا من تعميق الإحساس لديه بأن الزوجة مصرةٌ على أن تعيش في عالم آخر لا يمت له بصلة، حيث أهملت تربية الأولاد أيضاً أسوةً باحتياجاته شخصياً التي تحولت إلى الحصة الأساسية في الوظائف الموكولة إلى الخادمة.
ويؤكد «حمدان» بأنه حاول منذ البداية لفت نظر زوجته إلى أهمية إبقاء دور الخادمة محدوداً في حياتهم، وطلب منها أن تبقى مشرفة بالكامل على الشؤون المنزلية إلا أنها للأسف لم تستجب للأمر، وبقي محور اهتمامها منصباً فقط على زيارة الصديقات ومراكز التسوق المختلفة.
حالة اغتراب
ولفتت «مريم» إلى المخاطر التي ينطوي عليها تراجع دور المرأة في بيتها واهتزاز مكانتها كأم وزوجة والتي تتمثل في حدوث وتكريس ما يسمى بحالة الإغتراب في الحياة الزوجية وحصول ما يمكن تسميته بالانفصال الواقعي بين الزوج والزوجة بسبب غيابها عن تفاصيل حياة الزوج اليومية والتي يمكن أن تقوم أخرى بملئها، مشيرة إلى مخاطر أكبر لغياب الأم وانشغالها الدائم في حياة الأبناء.. الذين لايجدون من يستمع لمشاكلهم وهمومهم سوى الأصدقاء والصديقات في ظل استقالة الأم من دورها، هؤلاء الأصدقاء غالباً ما تكون مصلحتهم الفعلية إفساد الآخرين خاصة إذا ما كانوا قد تخرجوا في ظروف مشابهة لأقرانهم الوافدين الجدد من الحياة الاسرية المربكة.
وأشارت «مريم» إلى أنها عايشت منذ وقت ليس ببعيد تجربة شقيقتها في هذا المجال والتي اختتمت فصولها بالطلاق عندما تبين للأب أن أكبر أولاده بات يتعاطى المخدرات حيث كانت هذه الحادثة بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير ودفعته لاتخاذ قرار لا رجعة فيه رغم كل الوساطات، موضحة بأن زوج شقيقتها كان قد تعامل بصبر شديد مع سلوك شقيقتها التي كانت تتعاطى مع الشؤون الأسرية بإهمال لاحد له، حيث كان دائم النصح لها بالإقلاع عن عاداتها السلبية والإلتفات قليلاً إلى شؤون المنزل إلا أنها كانت تشير دائما إلى أن الخادمة جاهزة على الدوام لتلبية احتياجات أفراد الأسرة.
ويصراحة تامة أكدت «فاطمة» بأنها فعلياً لاتتقن مطلقاً إنجاز أي دور في المنزل الذي تتولى كل شؤونه الخادمات، فهي لاتقوم بإعداد الطعام لزوجها وأولادها، أو غسيل ملابسهم، موضحة بأنها لم تتعلم من والدتها إدارة شؤون المنزل الذي أداره على الدوام طاقم من الخدم والطباخين منذ بدايات تشكل الوعي لديها.
وحول حياتها الزوجية، أشارت إلى أن العلاقة شهدت توتراً كبيراً في البدايات جراء اعتراض الزوج على أسلوبها في إدارة المنزل والذي رأى فيه تخلياً كاملاً عن دورها المفترض كزوجة وأم، لافتة إلى أنها اضطرت إلى البقاء في منزل والدها لعدة أشهركنتيجةٍ لأحد الخلافات مع الزوج حول القضية ذاتها.
وأوضحت فاطمة بأن صلة القرابة القوية بينها وبين زوجها حالت دون حدوث الطلاق بينهما، إلا أن الوقائع اللاحقة بينهما شهدت انفصالاً فعلياً وتحولا إلى غريبين تحت سقف واحد، مشيرةً إلى أن حال الأولاد لم يكن أفضل إذ كان لكل واحد منهم عالمه الخاص به لايعلم عن تفاصيله احد سواه..
و.. ولم تستطع أن تمنع الدموع التي سالت غزيرة من عينيها وهي ترد على سؤالي لها حول مدى رغبتها في استعادة زوجها ورأب الصدع.. وكان تواتر الدموع رداً بليغاً على السؤال!!
ليست مشكلة
الزوجة «أمينة» قالت إنها تعطى الخادمات جميع الأدوار والمهام في المنزل، عدا دوراً واحداً لا تسمح لإحداهن بالاقتراب منه متمثلاً في الإشراف على تربية الأولاد ومتابعة شؤونهم المختلفة.
وأضافت أنها وزوجها متفاهمان تماماً بشأن دورها في المنزل الذي لا يتعدى الإشراف على عمل الخادمات في غالب الأحيان.
وفيما يتعلق بيومياتها المنزلية، أوضحت «أمينة» بأنها تقضي أغلب ساعات يومها موزعةً بين التسوق وزيارة الأقارب والأصدقاء، ولا تلتقي بزوجها إلا في ساعات متأخرة من الليل عندما يعود من السهر مع أصدقائه، مشيرةً إلى أنها نادراً ما تخرج في زيارة مشتركة مع زوجها لأحد الأقارب أو الأصدقاء.
وحول نظرتها إلى هذه الحياة القائمة على المعطيات المذكورة، قالت بأنها لا ترى مطلقاً في الأمر أي خطأ لأن أغلب الأسر الإماراتية تعيش على هذا النحو (على حد قولها). واعتبر «محمد» نظرة البعض إلى دور المرأة الحالي على أنه عادي ولا يتناقض مع المنطق السليم خطر كبير يهدد استقرار المجتمع على المدى البعيد من خلال تدمير واحدة من أهم مرتكزاته الأساسية متمثلة بالأسرة.
مشيراً إلى أنه شخصياً عانى كثيراً من آثار انسحاب والدته من حياته منذ إطلالته على الدنيا حيث أوكلت كافة شؤونه إلى الخادمة التي أصبحت بحكم التعامل اليومي أقرب إليه من والدته، لافتاً إلى أنه كثيراً ما تمنى على والدته إعداد إحدى المأكولات الشعبية له دون جدوى.
وبقيت مجرد أمنية.وفيما يتعلق بعلاقته بوالده، قال محمد بأنها كانت غاية في البرود بسبب إدمان والده على السهر خارج المنزل والاكتفاء بمسؤولية تحمل المصروفات المالية على الأسرة، مشيراً إلى أن والده كان في البدايات دائم الشجار مع والدته بهدف ردعها عن سلوكها المهمل لأسرتها ومنزلها، إلا أن أصوات هذا الشجار بدأت تخفت تدريجياً ليتبع ذلك انسحاب كامل للأب من حياة الأسرة التي تحولت إلى جزر منعزلة.
تقرير إحصائي
كشف تقرير صدر العام الماضي عن مركز المعلومات واتخاذ القرار في غرفة تجارة وصناعة أبوظبي أن متوسط إجمالي عدد تأشيرات العمالة المنزلية ـ حسب إحصاءات وزارة الداخلية ـ خلال عام 2007 في الإمارات، تجاوز 83.600 تأشيرة عمل، تسيطر الجنسيتان الإندونيسية والفلبينية على أكثر من 80% منها، وقدر حجم إنفاق الأسر على خدم المنازل وفق الدراسة بنحو 3 مليارات درهم سنوياً وتصل نسبة أجور العمالة المنزلية إلى 6,2 في المائة من إجمالي الأجور في الدولة.
وقال التقرير إن نسبة العمالة المنزلية تشكل حوالي 5% من إجمالي سكان الدولة.ففي إمارة دبي أكد مركز دبي للإحصاء أن إجمالي عدد العمالة المنزلية في الإمارة خلال العام الماضي بلغ 44 ألفاً و362 عاملاً لدى 32 ألفاً و703 أسر، منها 22 ألفاً و574 أسرة مواطنة و11 ألفاً و424 أسرة وافدة.
بالإضافة إلى 2621 أسرة جماعية.في حين بلغت نسبة العمالة المنزلية في إمارة أبوظبي 6% من إجمالي عدد سكان الإمارة أي حوالي 120 ألف عامل، حسب تقرير مركز المعلومات في أبوظبي.
وأشار التقرير إلى أن هذه النسبة تعد مرتفعة جدا، ويتحمل مسؤولياتها المجتمع الإماراتي؛ فبعض الأسر لديها عمالة منزلية أكثر من عدد أفرادها، ومعظم الأسر لديها عمالة تزيد على حاجتها، من قبيل التفاخر والتباهي.
غياب الام
الأخصائية الاجتماعية «سيرين محمود» رأت أن المشاركة الواسعة للخادمة في تربية الأولاد جراء غياب الأم عن المنزل نتيجة للعمل أو للتسلية يلقي بظلاله السلبية على المخرجات من سلوكهم مستقبلاً الذي يتمثل بالخلل على مستوى القيم الثقافية والدينية والنمو اللغوي والاجتماعي والأنماط السلوكية.
بالإضافة إلى التأثير السلبي الكبير على الروابط الزوجية والأسرية جراء تراجع حالة الاحتكاك والتفاعل بين أفراد الأسرة وانتفاء الإحساس بأهمية كل طرف للآخر، وتكريس حالة الاعتياد لدى الجميع على غياب الأم والأب عن الحياة المشتركة لهما وحياة الأبناء.
وفيما يتعلق بالتأثيرات المباشرة على الأبناء، أشارت محمود إلى أن السلوكيات المتوقعة نتيجة غياب الأم وإهمال الأب مع تولي الخادمة الدور التربوي تتمظهر غالباً في تقصير دراسي وحالة من العبثية واللا انتماء، بالإضافة للكسل والسلوكيات العدوانية.
وأوضحت أن الحل لهذه القضية يتمثل بتقليص دور الخادمة أو إنهاء الاعتماد عليها بالكامل واستعادة الأم لدورها كزوجة وأم، من خلال فهم صحيح لدورها هذا بعيداً عن النظرة الدونية له، والتخلص من ظاهرة التباهي والتفاخر والمقارنة مع الأخريات التي ستؤدي بالتأكيد إلى دمار الأسرة وزعزعة استقرار المجتمع.
خالد اللوباني


