يعد ضرب الآباء للأبناء والتعنيف المستمر لهم أمراً خطيراً يربي لديهم عقداً نفسية ويزيد من عنفهم الأسري إلى أن يتفاقم ويصبح مشكلة يصعب مواجهتها إذا تحول ذلك العنف من الأسرة إلى المجتمع وبالتالي يصبح شكلاً من أشكال السلوكيات الشاذة.

وأوضح علماء النفس أن ضرب الأبناء يؤهلهم نفسياً لممارسة الإرهاب النفسي على الأفراد مما يهدد أمن المجتمع، داعين في الوقت ذاته الآباء والأمهات إلى توخي الحذر في تربية الأبناء وعدم ضربهم لأن ذلك يؤدي إلى إصابتهم بالعديد من الأمراض النفسية التي تشكل عبئاً على المجتمع. استطلعنا آراء بعض الآباء والأمهات وعلماء النفس والتربية لمعرفة رأيهم حول ضرب الأبناء وتأثير ذلك على صحتهم النفسية وفي أي الحالات يكون الضرب وسيلة للتأديب وأي نوع من الضرب هو المقصود ويمكن أن يأتي بالنتائج المرجوة. الدكتورة عائشة جاسم شافي خبيرة التطوير الإداري والاستشاري والتربوية بوزارة التربية والتعليم قالت إن الضرب أصبح ظاهرة متواجدة بشكل مخيف ومرعب في مجتمعاتنا ولعل أخطره ذلك الموجه ضد أصغر وأضعف أفراد المجتمع هم الأطفال من خلال الاعتقاد الخاطئ لبعض الآباء والأمهات إذا تصوروا أن معاملة الأولاد والبنات بالشدة والعنف وضربهم لأقل هفوة يعلمهم الأدب والطاعة وحسن الخلق ولكن العكس هو ما يحصل في النهاية حيث إن الضرب والقسوة يملآن الطفل بالأسى والمرارة ويبعدانه عن ذويه ويجعلانه يعاند ويعصي الأوامر ويسلك سلوكاً عدوانياً مع أقرانه وأحياناً يسبب له اضطراباً نفسياً.

وأكدت أن الأبناء وخاصة الأطفال هم رجال الغد وثروة بشرية تحرص عليها قيادتنا الرشيدة وتضع لها الخطط والبرامج التي تكفل الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية لهم حتى تضمن قيامهم بالأعباء الجسام لقيادة الوطن عندما يكبرون، لذلك لا بد للآباء والأمهات عدم اللجوء إلى هذه الوسيلة من التربية بل تنشئتهم تنشئة سليمة بعيداً عن العنف. وأشارت عائشة شافي إلى أنها عندما كانت معلمة في المرحلة الابتدائية كان لديها تلميذ متخلف في دراسته ولا يهتم بدروسه رغم أن أمه تضربه وتحبسه في غرفته حتى يقبل على المذاكرة، أما والده فقد حرمه من المصروف المدرسي عقاباً له على كسله، وقد طلبت مقابلة أمه ونصحتها بمعاملة الصغير بالرفق واللين، واتفقنا على مساعدته في شرح ما يصعب عليه فهمه ومكافأته بهدية إذا تقدم في دراسته، وأضافت: لقد سعدت كثيراً عندما تقدم التلميذ في دراسته وبدأ يحب دروسه ويطيعني ويطيع أمه بفضل المعاملة الطيبة.

تباين التربية

يرى خليفة المنصوري، موظف: أن أولياء أمور الأطفال يختلفون اختلافاً كبيراً فيما بينهم في كيفية معاملة الأبناء منذ الولادة حسب مراحل العمر المختلفة، ويعود ذلك الاختلاف إلى عدة عوامل منها المستوى التعليمي والاقتصادي والمكانة الاجتماعية وعدد الأطفال في البيت الواحد ونوع التربية التي تلقاها الآباء في طفولتهم وهذه عوامل تحدد نوع السلوك الذي يمكن أن يتبعه الآباء في عملية تأديب الأطفال.

وأكد أن أولياء الأمور لا يكرهون أبناءهم ولا يريدون لهم شراً لذلك نجد تفاوتاً كبيراً في طريقة معاملتهم لأبنائهم، فالأب يكون قاسياً في معاملته مع الأطفال، ولكن الأم رحيمة أو العكس، والأب هو الذي يقوم بعملية التأديب خاصة عندما يتطلب الأمر إيقاع الأذى، موضحاً أن الضرب ليس هو الوسيلة الناجحة للتأديب ولكن هناك أساليب أخر أهمها حرمان الطفل مما يحبه عقاباً له.

خليفة عبيد موظف يقول: إن هناك بعض الآباء يتناسون أهمية أن يجعلوا أبناءهم يحبونهم ويرتبطون بهم ويصبحون جزءاً من حياتهم اليومية، ونتيجة لذلك التباعد تحدث الكثير من المشكلات التي تنتج عن عدم التفاهم بين الآباء والأبناء منها عندما يقع الابن في خطأ ما فيقوم الوالد بضربه ضرباً مبرحاً وأنا ضد هذا الأمر لأنه يؤدي إلى تنشئة جيل جبان لا يستطيع مواجهة الحياة.

ويؤكد ياسين الإمام أن التربية الحديثة ترى استخدام العقاب الجسدي أسلوباً غير تربوي بل هو مدمر للعلاقة بين الأم والأب وأبنائهما، فإذا عمد أحد الأبوين إلى هذا الأسلوب عليه أن يعي انه يدمر أبناءه لأن الأصل في الأبوين حماية الأبناء من أي أذى قد يلحق بهم وخاصة الأذى الجسدي والنفسي.

وأشار إلى أنه يجب على الوالدين متابعة أبنائهم في تحصيلهم الدراسي وفي علاقاتهم مع أقرانهم ومعرفة المحيط الذي يعيشون فيه ونوع الصداقات والمعارف لأن هذه الأمور مهمة في تقويم الطفل ويمكنها أن تعالج أي خلل يقع فيه الابن وخاصة في فترة المراهقة وأما عن ضربه لأبنائه فيقول: أنا ضد الضرب ولكن أحياناً استخدامه بغرض التقويم ولكن ليس ضرباً مبرحاً يترك آثاراً كما يفعل بعض الآباء.

أحلام علي ربة منزل ولها أربعة أولاد وبنتان تقول: إن الحب يعد أكبر معلم للأبناء، فإذا تعلم الأبناء كيف يحافظون على المبادئ والقيم بالحوار والحب اعتقد أنهم لا يحتاجون إلى الضرب والتأنيب المستمر الذي يؤثر في نفوسهم مدى الحياة.

وتضيف: وأنا أربي أولادي بهذه الطريقة ولا ألجأ لضربهم وأحرض زوجي ليقوم بذلك، ودائماً ما يكون العقاب بعدم شراء ما يحبونه لذلك تربي لديهم المحافظة على مشاعري وكسب رضاي، وهذا الأمر تعلمته من والداي.

من جانبه يقول الدكتور السيد عبد اللطيف السيد أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عجمان: إن ضرب الأطفال يعد من العوامل المؤثرة على نفسية الطفل وخاصة في المراحل الأولى للنمو، فالقسوة من الوالدين تؤدي إلى فقدان الطفل للثقة بالنفس وتجعله غير مبالٍ أو عنده مبادرة لإقامة علاقات اجتماعية مع الآخرين كما أن القسوة تؤدي إلى الفتور العاطفي بين الأبناء وبين الآباء.

فعلى الوالدين أن يقوما باستخدام التوجيهات أو أساليب علاجية أخرى تقلل من أخطاء الطفل خاصة الأساليب العقابية السلبية مثل أسلوب الإقصاء في بعض الأحيان لفترة من الوقت بدلاً من القيام بعملية الضرب أو منع الطفل من أشياء محبذة إليه عند ارتكابه لأي سلوك غير مرغوب فيه مثل حرمانه من مشاهدة وسائل الإعلام كالتلفزيون أو الألعاب المحببة لديه، فهذه الأساليب تعتبر أساليب تربوية بديلة لعملية الضرب الإيجابي أو المادي.

ولا ينصح بقيام الوالدين بعملية الضرب إلا في أضيق الحدود عندما يرتكب الطفل سلوكيات مهددة لحياته لأن الضرب يترك آثاراً سلبية مثل التبول اللاإرادي الذي يمكن أن يصيب الطفل بالإضافة إلى مشاكل النطق مثل التأتأة والثأثأة حيث إن الضرب يؤثر على النمو اللغوي على الطفل والنمو النفسي بشكل عام.

عصام الدين عوض