لعل العودة إلى الماضي والنبش في سجلات تاريخه وما تركه على الأرض وتحت الأرض من علامات ودلالات خير شاهد على ما تركه الأجداد من آثار وأكبر دليل على الحضور البشري الفاعل في أي بقعة من البقاع، ويأتي هذا الجهد الذي يتكاثف في التنقيب والبحث ليخرج كتاب الأرض وما خطته الأيام ليقرأ المتأخرون ما أبدعه الأوائل وليدرك الجيل الحاضر عظمة إبداعات الأجيال السابقة وبصماتها الحضارية.
وهذا الهاجس العلمي التوثيقي هو الذي حدا بالبعثة الأثرية المحلية نحو المزيد من السعي الحثيث لتقديم الدلائل تلو الدلائل على عظمة المكتشفات الأثرية في بلادنا وهو ما وصلت إليه البعثة المحلية التي قامت بأعمال تنقيبات أثرية في المنطقة الوسطى بالاشتراك مع بعثة ألمانية من جامعة توبنجن، وهي التنقيبات التي تحدث للموسم الثامن في موقع اثري مهم يقع عند سفوح جبال فاية الواقعة جنوب الذيد في المنطقة الوسطى من إمارة الشارقة.
وقد أسفرت نتائج التنقيب لحد الآن عن ظهور مكتشفات أثرية مهمة للغاية قدمت إشارات تاريخية توثيقية مهمة ساعدت المهتمين في فهم التعاقب الطبقي للعصور الحجرية القديمة ومعرفة بدايات العصر الحجري الحديث في هذه المنطقة.
وكان من نتيجة هذه التنقيبات استظهار طبقات استيطانية عديدة تعود أحداثها إلى العصر الحديدي المؤرخ من حوالي 1300 ق.م إلى 300 ق.م، يليها طبقات من العصر البرونزي الذي استمر من حوالي 3000 ق.م إلى 1300 ق.م، يلي ذلك استيطان مكثف يعود إلى فترة العصر الحجري الحديث يمتد تحته ما يقارب خمس طبقات تحتوي على أدوات حجرية متنوعة تعود إلى فترة العصر الحجري القديم، ويمكن تأريخ الطبقة الأقدم إلى حوالي 000 .85 سنة مضت، أما الطبقة العليا فيمكن تأريخها إلى حوالي 000 .28 سنة مضت التي تتزامن مع ذروة العصر الجليدي الأخير.
نحاس محلي
وتتابعت الأبحاث والتنقيبات في المنطقة الوسطى حيث انتقلت من منطقة جبل فاية إلى منطقة وادي الحلو التي شهدت ومنذ عامين مضت تنقيبات أثرية قامت بها البعثة المحلية بالاشتراك مع البعثة الألمانية وأسفرت عن ظهور دلالات تشير إلى ممارسة استثمار صناعي مبكر لخامات النحاس المحلية.
وقد أظهرت التنقيبات بأن النحاس كان قد أنتج في هذا الموقع خلال فترتين تاريخيتين أولهما في بداية العصر البرونزي قبل حوالي 4000 سنة مضت والأخرى خلال العصر الإسلامي، وتعتبر الفترة الأولى ذات أهمية مميزة وذلك لأنها المرة الأولى في دولة الإمارات التي يتم فيها إجراء تحريات علمية فيما يتعلق بعمليات إنتاج معدن النحاس خلال العصر البرونزي المبكر، ومن المعروف أن هذا الجزء من جنوب شرق الجزيرة العربية الذي يضم الآن دولة الإمارات وسلطنة عمان كان يعرف في الماضي بأرض «مجان».
وكما ورد في النصوص المسمارية من بلاد وادي الرافدين فإن العراقيين القدماء كانوا قد استوردوا النحاس من أرض «مجان».
وقد تم العثور على نحاسية دائرية الشكل تقريباً تزن حوالي 5 كغم في إحدى ورش الصناعة مما يعتبر دليلاً مباشراً على إنتاج معدن النحاس من خام النحاس المحلي، ونتوقع إجراء المزيد من الاستكشافات العلمية خلال المواسم القادمة إن شاء الله.
