من ينظر إلى أحوال العالم قديما وحديثا، سيدرك أن من أشد الأمور أثرا وأعظمها خطرا، على التعايش السلمي بين الشعوب المختلفة والأمم المتباينة، انتشار ثقافة الكراهية والعداوة والبغضاء، بفعل المبالغة في التعصب للدين، أو العرق، أو اللغة، أو الطائفة، أو المذهب، بحيث ينظر كل طرف إلى من يخالفه بعين الشك والريبة، بل يعتبره عدوا لدودا، فلا يطمئن لجواره، ولا يأمن العيش بجانبه، ويصبح الجميع متوجسا خيفة ممن حوله، ويتوقع منه السوء، فيشتعل فتيل الحرب بينهم لأهون الأسباب وأتفه الغايات.

هذه المشكلة تمثل تحديا حقيقيا أمام الشعوب في حاضرها ومستقبلها، ولابد لحلها من تضافر الجهود المخلصة، في إشاعة ثقافة التعايش السلمي بين الناس جميعا، شعوبا وقبائل ودولا، باعتباره أمرا محتوما، لبقاء البشرية محتفظة بشيء من إنسانيتها على ظهر هذه الأرض.

ويقصد بالتعايش السلمي بين الشعوب: أن تعيش مجتمعات مختلفة في محيط واحد في سلام، وتعاون، ووئام، سواء كان الاختلاف بينها اختلافا دينيا، أو لغويا، أو عرقيا أو طائفيا، أو مذهبيا. والعبرة في التعايش السلمي بين الشعوب، لتعدد الأطراف واختلافها، وكيفية تعاملها فيما بينها.

فإن ساد بينها السلام والتعاون والتسامح والاحترام، اعتبر التعايش السلمي قائما، وإن كان هناك تسلط واستعلاء من بعضها على بعض، وإنكار لحق التعدد والاختلاف، فلا مجال عندئذ للحديث عن التعايش السلمي.

ويحظى التعايش السلمي بين الشعوب والأمم، بأهمية بالغة، باعتباره مطلبا ضروريا للأمن والاستقرار، وشرطا لازما في تعاون البشرية وتكامل أنشطتها، لتحقق بذلك تواصلا حضاريا وتفاعلا ثقافيا، ورخاء اقتصاديا واجتماعيا.

إذ لا يوجد مجتمع بشري تحت أديم السماء، مكتفيا بذاته في شتى متطلبات الحياة، دون الحاجة إلى التعاون وتبادل المنافع مع غيره. وحتى الدول المتقدمة في مجالات، الصناعة والزراعة، مع ذلك فإنها تحتاج إلى التعاون والتبادل التجاري، مع دول مدرجة في قائمة التخلف.

وذلك للحصول على المواد الأولية باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات إنتاجها الصناعي، أو الزراعي، لتوفير متطلبات السوق على المستويين المحلي والدولي، وهذا أمر مشاهد معاش.

وقد استطاعت إمارة دبي الغراء، أن تضرب مثلا رائعا في التعايش السلمي بين الشعوب التي تعيش على أرضها، فهذه الإمارة الصغيرة في مساحتها، العظيمة في مكانتها، إقليميا وعالميا، تحتضن ما يزيد على 200 جنسية، من مختلف الأعراق، والديانات، والطوائف، والمذاهب، أتت من كل بقاع الأرض، طلبا لتحسين أوضاعها.

فكل يسعى جاهدا لتحقيق هدفه الذي قدم من أجله، وفقا لإمكانياته المادية والذهنية، مستفيدا من التسهيلات الهائلة التي تقدمها السلطات، لمختلف الأنشطة وفي كافة المجالات، بشرط واحد فقط، هو أن يكون النشاط مما تجيزه الأنظمة القانونية المعمول بها في البلد.

فهناك نظام دقيق جدا يسري تطبيقه بصورة مجردة، على كل من يعيش في هذه الإمارة، فلا يلمس الإنسان تمييزا أو تفضيلا لأحد على آخر، نظرا لدينه، أو مذهبه أو طائفته أو لغته أو لونه، فالسلطات تنظر إلى الجميع بعين واحدة، وتكيل لهم جميعا بمكيال واحد.

ولإدراك هذه الحقيقة، لا يحتاج المرء إلى كبير عناء، بل يكفيه أن يذهب إلى مكان يقصده الناس جميعا، كمطار دبي الدولي، أو إدارة الجنسية والإقامة، أو وزارة العمل، أو المواني والجمارك، أو مراكز التسوق، فسيجد أعدادا بشرية تتدفق من كل بقاع الأرض، منها المسلمون بمذاهبهم المختلفة، وغيرهم من كل الديانات والطوائف.

وسيجد من اللغات واللهجات، ما لم يخطر له على بال، ومع ذلك، فلا أحد يتعرض للازدراء أو السخرية، ولا يطلب من أي شخص أن يبدل دينه، أو مذهبه، أو ملته، أو يتنكر لأصله وجذوره، أو ينسلخ من جلده وهويته، بل يحظى الجميع بتقدير واحترام، مع تمتعهم بحرية ممارسة العبادة لكل معتقد، بعيدا عن أي مضايقة، طبقا لقاعدة «لكم دينكم ولي دين».

بعد ذلك يأتي تقييم أنشطة الأفراد وسلوكهم، بحسب التزامهم بالنظام القانوني الساري في البلاد، فلكل إنسان ما كسب وعليه ما اكتسب، لا تنسب جناية أحد لدينه، ولا لمذهبه، ولا لجنسيته، فالجريمة تسند لفاعلها، ويسأل عنها جنائيا وحده، مسؤولية شخصية، ولا تتعلق بغيره، وفقا لمبدأ: «ولا تزر وازرة وزر أخرى».

بهذه السياسة الحكيمة والنهج القويم، أبرزت إمارة دبي، مبدأ التعايش السلمي بين الشعوب، من عالم التصور النظري، الذي لا يتجاوز الندوات والملتقيات الفكرية، إلى عالم الواقع المعاش، يلمسه الناس من خلال ممارستهم اليومية، لشؤون حياتهم المختلفة، متمثلا في العدل والمساواة، واحترام خصوصية الطرف المخالف، أفرادا كانوا أو جماعات، فيما يتعلق بالدين، واللغة، واللون، والعادات، والتقاليد، والابتعاد عن التحقير والقهر والاستعلاء، ومحاولة صهر كل الشعوب والمجتمعات في قالب واحد.

وبذلك صارت هذه الإمارة ـ حفظها الله ـ مرآة، يرى فيها الجميع مصلحة جامعة، ومستقبلا مشتركا، فكان لزاما على كل من يعيش على أرضها الطاهرة، أن يسهم في ترسيخ أمنها واستقرارها، تحقيقا لمصلحته وتأمينا لمستقبله.

وإني لأسأل الله العظيم أن يجزي قيادة هذا البلد المعطاء خير الجزاء على ما قدمته وتقدمه، في هذا المجال البالغ الأهمية والخطورة، وأن يكون لها عونا وسندا لتحقيق المزيد من التقدم والرخاء.

الأمين حمادي عبد الرحمن

القنصل العام لجمهورية النيجر في دبي