تثير فيَّ الساحة (ساحة التراث بالشارقة القديمة) حنيناً لا يوصف، حنيناً ممتداً لزمن لم أعش من تفاصيله إلا القليل الساكن بي، والمسكونة أنا به، زمن.. تبدلت ملامحه كما تبدلت ملامحي، زمن تغرّب عنا، وتغرّبنا عنه.. بحكم العولمة.. وضرورة التطور.. ومجالات الانفتاح المتسعة. وحدها الصور باقية، الصور المحفورة في الذاكرة؛ صور تشدنا نحو لوزة الحوش العتيق، وشجر التوت، وسدرة النبق و(المريحانة) تشدنا.. إلى الشريشة و(الصرناخ المزعج، بشير الصيف)..

وجاء الاهتمام بالتشجير وبالنخلة خاصة لكونها رمزاً للأصل وعنواناً الطبيعة والبيئة المحلية البحتة، ولولا ذلك الاهتمام، لما أثرى سعفها تأملنا في الامتداد الذي نعيشه، ولما شكل وثاق الربط وحلقة توصلنا بزخم التراث المتمثل في البيئة الزراعية والبدوية والبرية والجبلية، ولولا ذلك الاهتمام لما شدتنا رولة الشارقة لأفراح الأعياد، ومراجيح البهجة المتدلية من السماء، ولما أتاحت لنا السفر لذلك العمر الذي عجزت عن استبداله أشكال الفرح التقنية، والمراجيح المكهربة، والموسيقى الزاعقة.

يا لبهجة (التمَريِح) على أغصان السدرة في البيت الكبير، والحوش الوسيع، وأغصان الرولة، وغناء (المّريِحيِن) المضمخين بعطر شرقي.. المعلنين الفرح على مسامع المارة..

ويندلق منسابا على الأرض كلها، وكأنهم رسل للفرح المنشود لأجل عيون الطفولة في ذلك الزمان، أفراح لا تعوضها التقنيات العصرية مهما تكاثفت، ومهما تنوعت، لأفراح الأمس خصوصية تشبهنا وشذى يعرفنا.. يعطرنا ولا تغيب. الحنين.. ليس وحده المسكوب في ساحة الشارقة القديمة المرممة ترميما يخدم الاتساق مع الماضي، وإنما هو التحدي لتثبيت أصل الأشياء، وترسيخها في المكان وتوثيقها في الزمان، وتمكين الهوية من البروز..

الهوية التي تزكي حضورنا الإنساني وفق المنظومة الاجتماعية والثقافية بين (مخاليق) الكون والعالم، عالم كل من فيه يجدُّ في البحث عن أصله ليعزز وجوده، وليتمكن من إيجاد وصناعة لغة قوية يتحاور بها مع الآخر وبقوة، إننا لا نبحث عن إثبات بل نسعى إلى الثبات؛ فالمتغيرات المتسارعة والمتصارعة تنخر في أصل أشيائنا، والخشية من الحنين إليها، وما زلنا نترقب مع المترقبين في الساحة التراثية.. نطالع المارة والعارضين، نخزّن الصور لزمن قد لا تتاح فيه الصورة ولا التصور؛ صور قد لا يعيرها الجيل الجديد اهتماما..

فالوقت مكتظ بحلم التعايش مع معطيات الحاضر، ومتطلبات المستقبل. معطيات ومتطلبات تختلط فيها وتتعقد.. مفاهيم التخاطب وأساليب التواصل مع الآخر ذلك الذي تنفتح عليه البلاد في شتى المجالات وبشكل (حداثوي) نقيضا للـ (ماضوي) مزاحما ولعله زائحاً ملامح المزارعين والغواصين والكادحين، ذاهباً بروائحه إلى عمق التشظي بلهيب الشمس وملح البحر، والعيون الدعج المنتظرة على السيفة.. نوارس حبلى بالأمل. آآه..

حين تصيح بنا الصور لنفك أسرها من مغاليق الذاكرة، تكون فسحة الباحة الشرقية في ساحة التراث البراح المطمئن والبيئة الآمنة لانطلاق حمام السلام يرفرف مع الروح طرباً يداعب شِغافَ القلب ويسكب بلسمه.

واليوم ما زلنا ها هنا، لكننا غداً سنحتاج حتماً أن تعيرينا وجوهَ الصدق وملامحَ الأرضٍ وثبات العِرق الممتد في جذور التاريخ العريق تماما كعراقة النخلة وامتداد جذورها في عمق العمق لهذه الأرض.

عائشة العاجل