العلاقة بين شركات التأمين والمؤمّن لهم لا تزال قضية شائكة تسيطر عليها المزاجية المستحكمة من قبل مندوبي الشركات ما جعلها قضية ملتبسة لدى الكثيرين، كما تحكمها في كثير من الأحيان قوانين الشد والجذب، وتطرأ عليها أحياناً برودة الألفة في حين تعصف بها أحياناً كثيرة حرارة عدم الثقة.
ففي الوقت الذي يشتكي فيه عدد من عملاء شركات التأمين من تخفيض قيمة التعويضات عن السيارات المؤمنة لديهم، والتي تحكمها في كثير من الأحيان - حسب نظرهم- المزاجية في تقييم الأضرار التي تلحق بسياراتهم، تدافع عن نفسها شركات التأمين بأن المشكلة تكمن في عدم دراية المؤمن له ببنود وثيقة التأمين. ومن العقبات التي طرحها زبائن شركات التأمين إلزام المتضررين بالذهاب لكراجات معينة وهو ما يخالف مبادئ السوق المفتوح الذي تنتهجه الدولة في تعاملاتها التجارية، ويشكل عائقاً للمنافسة وحرية اختيار المتضرر للكراج الذي يعجبه ويثق فيه.
مطالبين بمنع شركات التأمين من احتكار التصليح في كراجات بعينها وترك الحرية للمتضررين بتصليح سياراتهم في الأماكن التي يرونها مناسبة من اجل الارتقاء بالخدمات وإذكاء المنافسة من اجل تقديم الأفضل بالجودة والسرعة اللازمتين، ووجه خبراء إلى ضرورة طلب ورقة فحص من إحدى إدارات المرور تفيد بصلاحية هيكل السيارات المدعومة بعد إصلاحها للتأكد من عدم وجود عيوب تمنع إعادة ترخيصها للسير على الطرقات.
وثيقة غير واضحة
يوسف خليل يرى أن وثيقة التأمين التي ترفق مع عقد اتفاقية التأمين تضم العديد من البنود غير الواضحة والمتناقضة والتي تصب في مصلحة شركات التأمين، مشيرا إلى أن وثيقة التأمين لا تنص على ضرورة تبديل قطع الغيار المتضررة من جراء الحوادث بأخرى أصلية، مما يدفع العديد من الكراجات للتلاعب، بتبديل القطع الأصلية المعطوبة بأخرى تجارية ذات كفاءة محدودة، للتخفيف من فاتورة التصليح على شركات التأمين التي تسند تصليحها إلى كراجات تتقاضى أقل الأجور، وذلك على حساب الكفاءة والخبرة.
وذكر خليل مثالا يوضح كيفية تلاعب الكراجات بإصلاح السيارات، فقد تعرض إلى حادث، أدى إلى إعادة صبغ أجزاء من السيارة، وأنه فوجئ بعد أن وقع على وثيقة استلام السيارة وخروجه من الكراج بأن الألوان غير متناسقة، مما اضطره إلى إعادة دهانها في الوكالة وخسارة أكثر من ثلاثة ألاف درهم من جيبه الخاص.
أما رياض فؤاد فقد اعتبر أن عدم دراية المؤمن لهم بالشروط والالتزامات التي تنص عليها وثيقة التأمين يساهم بشكل كبير في عدم رضاهم وتذمرهم عند مراجعة شركات التأمين للاستفادة من الخدمات التي من المفروض أن تؤمنها وثيقة التأمين عند التعرض للحوادث والأضرار.
مشيرا إلى انه من المفروض أن تنص وثيقة التأمين الشامل على تأمين سيارة للمتضرر حتى يتم تصليح سيارته، خصوصا أن عمليات الصيانة قد تأخذ وقتا كبيراً قد يصل في بعض الأحيان شهرا كاملا وهو ما يضاعف خسائر أصحاب السيارات.
وأضاف أن شركات التأمين تلزم المتضررين بالذهاب لكراجات معينة، وهذا مخالف لمبادئ السوق المفتوح الذي تنتهجه الدولة في تعاملاتها التجارية، ويشكل عائقاً للمنافسة وحرية اختيار المتضرر للكراج الذي يعجبه ويثق فيه، وهو ما يستدعي تدخل الجهات المعنية لمنع شركات التأمين من احتكار التصليح في كراجات بعينها وترك الحرية للمتضررين بتصليح سياراتهم في الأماكن التي يرونها مناسبة من اجل الارتقاء بالخدمات وإذكاء المنافسة من اجل تقديم الأفضل بالجودة والسرعة اللازمتين.
قرارات مجحفة
وحذر خليل المشيني من تضرر كثير من عملاء شركات التأمين نتيجة تخفيض قيمة السيارات غير الصالحة للاستخدام نتيجة حادث مروري، مشيرا إلى انه اشترى سيارة كلفته 30 ألف درهم، وان مبلغ التعويض الذي أخذت شركة التأمين تساومه عليه لم يتجاوز 20الف درهم، أي اقل بـ 30% من سعر السيارة رغم انه لم يستخدمها سوى 4 أشهر فقط.
وأضاف أن قرار بعض شركات التأمين بإلغاء التأمين الشامل وتحويله إلى تأمين ضد الغير لمجرد حادث أو اثنين، غير منصف ويعرض الكثير من العملاء لضرر، لأن بعض أصحاب السيارات يتعرضون لحوادث في المواقف دون أن يعرف متسببوها، وان هذه إشكالية كبيرة يتعرض لها كثير من الناس خصوصا في الوقت الحالي مع تزايد أعداد السيارات بشكل كبير وشح المواقف، لافتاً إلى أن مثل هذه الحوادث يجب ألا تحسب ضد أصحاب السيارات والتي يغرم عليه المالك مبلغا ماليا يتفاوت من شركة إلى أخرى.
وطالب هشام البربري بضرورة أن تتبنى شركات التأمين حملة وطنية للتوعية بمخاطر الحوادث على حياة الناس وممتلكاتهم جنباً إلى جنب مع إدارة المرور، وان تكون هناك حوافز وتشجيع للسائقين أصحاب السجل النظيف في الحوادث وان تتضافر جميع الجهود في هذا المجال لأن شركات التأمين ليست المتضرر الوحيد من ارتفاع نسبة الحوادث وإنما المجتمع بشكل عام لما ينجم عن هذه الحوادث من فقدان أحبة وضياع للممتلكات.
فريسة سهلة
وقال منير أبو الناجي احد أصحاب الكراجات إن شركات التأمين تختار الكراجات التي تتقاضى أقل الأجور من بين الكراجات التي تتقدم للمنافسة على إصلاح السيارة، وان هذا يدفع بعض الكراجات إلى التلاعب بقطع الغيار وتركيب قطع تجارية أو تصليح قطع رغم حاجتها إلى التغيير، من اجل الوصول إلى الحد الأدنى من التكاليف على شركات التأمين، مشيرا إلى أن العديد من أصحاب السيارات يقعون فريسة سهلة لتلاعب الكراجات لعدم وجود الدراية الكافية لديهم، فيفاجئون بأعطال لم تكن قبل إصلاحها في السيارة.
وأضاف أن المشكلة الأكبر التي يتعرض لها أصحاب السيارات بعد توقيعهم على وثيقة الاستلام من الكراجات هو وجود صدمات وعيوب في هيكل السيارة، يمنع من ترخيصها في إدارات المرور، والتي حدثت مع العديد من المتضررين من الحوادث، مشيرا إلى انه على مالك السيارة أن يحذر من هذا التلاعب وان يطلب ورقة فحص من إحدى إدارات المرور تفيد بصلاحية هيكل السيارة وعدم وجود عيوب تمنع من إعادة ترخيصها للسير على الطرقات.
وبين أبو الناجي أن بعض شركات التأمين تنجح في مساومة أصحاب السيارات في مبالغ التعويضات وخاصة للذين يؤمنون سياراتهم ضد الغير، لعدم وجود الوقت الكافي لديهم، ولجهلهم في بنود وثيقة التأمين، فيقبلون جزءا يسيرا من مبلغ التأمين وقد لا يتجاوز 60% من ثمن السيارة، مشيرا إلى انه من الأجدر بهم أن يراجعوا وزارة الاقتصاد والمحاكم المدنية للحصول على حقوقهم.
وقال عاصف الجندي - احد أصحاب محلات قطع غيار السيارات المستعملة إن معظم أصحاب السيارات لا يطلعون على الشروط والالتزامات التي تنص عليها وثيقة التأمين، لذا يقعون في كثير من الأحيان فريسة سهلة لبعض شركات التأمين التي تحاول التملص من مسؤولياتها في التعويضات.
لافتاً إلى أن عمليات التلاعب التي تمارسها بعض شركات التأمين يمكن أن تحدث في السنة الأولى من عمر السيارة، إذ تنص وثيقة التأمين على احتساب التعويضات على الاستهلاك اليومي للسيارة، لكن بعض الشركات تتملص من هذا البند بسبب جهل أصحاب السيارات وتقوم بتقديم التعويضات بناء على المدد الزمنية الربع سنوية، والتي من المفترض أن تسري من العام الذي يليه.
وأضاف انه خلال خبرته الممتدة لمدة 15 عاما وجد أن هناك صنفين من شركات التأمين، احدهما يعمل بأمانة ويتقيد بوثيقة التامين، ويقوم بتعويض المتضررين بشكل عادل، والصنف الآخر يعوض المتضررين بشكل مزاجي ويفرض كراجات معينة رغم علمهم بأنها كراجات محدودة الكفاءة وتتعمد تركيب قطع تجارية، لتتمكن من إصلاح السيارة ضمن المبلغ المتفق عليه بينهما.
«الاقتصاد» تحاول الحل
وأوضحت فاطمة إسحاق رئيسة قسم التأمين بوزارة الاقتصاد أن الوزارة تحرص دائماً على حماية حقوق حملة الوثائق بالاستناد إلى أحكام وشروط الوثيقة الموحدة للتأمين بنوعيها الفقد والتلف والمسؤولية المدنية (الشامل) والمسؤولية المدنية فقط (ضد الغير) الصادرة من الوزارة والتي تطبقها جميع شركات التأمين العاملة بالدولة.
مشيرة إلى انه في حالة وجود خلاف بينهما حول التعويضات فإن الوزارة تنظر إلى جميع المستندات المؤيدة للشكوى وشروط الوثيقة الموحدة، فإذا كانت الشكوى سليمة ووجدت أن هناك تقصيراً أو عدم التزام من شركة التأمين في تطبيق أحكام الوثيقة الموحدة فإن الوزارة تلزم الشركة بتعهداتها وسداد التعويض المستحق للمؤمن له.
وأضافت أن بعض حالات الخلاف حول التعويض لا يمكن حسمها بشكل دقيق، مثلاً بالنسبة للمركبات المؤمنة ضد المسؤولية المدنية فقط والتي تتعرض لحادث يجعلها خسارة كلية، فإن الشركة في هذه الحالة ملزمة بسداد القيمة السوقية للمركبة قبل الحادث، والتي تختلف عن نظرة المؤمن له لمركبته، مشيرة إلى انه لا توجد جهة تحدد بشكل دقيق وملزم للطرفين بالقيمة السوقية لهذه المركبات، وان الوزارة تحاول بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة حل هذه الإشكالية.
وبينت أن الوزارة تحاول عندما يردها بعض الخلافات والشكاوي من أطراف عقد التأمين تحاول حله ودّياً بين الطرفين وفي حالة عدم قبول الطرفين أو أحد الأطراف بالحل يتم رفع الأمر إلى القضاء وهي الجهة التي تملك حسم الخلاف وفقاً لتقديرها للظروف والملابسات التي تحيط بموضوع الخلاف، حيث تلزم الوزارة الشركة بما تقضي به المحكمة، مشيرة إلى انه لدى الوزارة ودائع من شركات التأمين تقوم بالخصم منها لصالح الأحكام التي تصدر من المحاكم لصالح حملة الوثائق.
فراس العويسي

