أسماء غريبة وطريفة ومضحكة أحيانا، ومزعجة ومنافية للذوق في أحيان أخرى، كتبت بالخطوط العريضة على واجهات المحلات والمطاعم والمقاهي، منها الذي يحتوي على أخطاء لغوية صارخة ومنها ما لا يناسب مجال العمل حتى لتشعر أن من اختارها أو خطها لا علاقة له باللغة العربية لا من قريب ولا من بعيد.

لأن اللغة تعتمد على الذائقة مع المعرفة وتلك الأسماء خلت من كليهما. فلافتة مثل (برج الميزان لغسيل السيارات بالواقع) أو (مطعم سوبر ماركت) أو (مطعم المعجبين) أو (الطوفان لتجارة الأقمشة) أو (كافتيريا الصيف القاطع) أو (صالون الخصم الشديد) وغيرها من التسميات التي لا تنسجم مع واقع النشاط الذي تقدمه ولا مع دلالات اللغة العربية التي فقدت هيبتها وصارت بعيدة عن الدقة وعن الحياة.

ضحكت موظفة خدمة الاتصالات حين طلبنا رقم «مطعم المعجبين» سائلة هل حقا هناك مطعم بهذا الاسم أم أنها مزحة؟ ولم تصدق حتى وجدت الاسم والرقم، وكان الاتصال الآخر بصاحب المطعم ويدعى أبو بكر الذي قال بلغة عربية ركيكة: «انه ما يسمي هذا مطعم في واحدي قبل يبيع مطعم هذا اسم)، وفي الحقيقة كانت معظم ردود العاملين في تلك المحلات متشابهة فهم لا يتقنون العربية ولا يدركون المشكلة في التسمية، وهو أمر يجعل المسؤولية تخف عنهم وتنصب كاملة على الجهات التي سمحت لمثل هذه اللوحات وأعطتها التراخيص.

دعوة لحماية اللغة

الأكاديميون والمتخصصون في اللغة العربية وآدابها والمسؤولون عن حماية اللغة عبروا عن رفضهم لمثل هذا النوع من اللافتات التي تتسم بالخطأ ولا تعبر عن هوية اللغة العربية بشكل صحيح، فيقول الدكتور محمد عبد الرزاق الصديق رئيس مجلس إدارة جمعية حماية اللغة العربية: (يرى المارة لافتات المحلات أو أي لوحة إعلانية يوميا ويتكرر النظر إليها مما يؤثر في نفوسهم ويجعلها تعلق في أذهانهم.

والواجب في تلك اللوحات يجب أن تعبر عن هوية البلد الذي تنتمي له لذا ينبغي أن يكون التدقيق في أن ما يعلن يكون متناغما مع توجهات الدولة وأهدافها، وربما يرسخ هويتنا الإماراتية الخليجية العربية المسلمة، وعليه ينبغي أن تراعي تلك الإعلانات عدة أمور يقف على رأسها كونها عربية خالصة

إذ نلاحظ تسمية انجليزية تكتب باللفظ العربي فقط ولا تترجم إلى العربي وفي رأيي أن هذا الأمر هو ازدراء للغة العربية إذ يجب أن يترجم المعنى إلى العربية وتكتب بالخط العربي مع الاهتمام بصحة اللغة وللأسف بعض الخطاطين من غير العرب فتجدهم يكتبون بأخطاء كبيرة من دون أن يدركوا حجمها.

ونجد بعض اللافتات يكتب فيها الخط العربي بحجم صغير جدا مقارنة بحجم الحرف الانجليزي وكأن العربية أصبحت لغة منبوذة لا قيمة لها، ولابد من الإشارة إلى أن معظم أصحاب المحلات هم من المواطنين الذين يتركون إكمال جميع الإجراءات لشركائهم من غير العرب والنتيجة تكون تلك الأخطاء اللغوية غير المقبولة.

والمسؤولية تقع على الجميع لكنها تكون بالدرجة الأولى مسؤولية جهة التراخيص وهي صاحبة المسؤولية الضبطية لمعاقبة المخالفين، وتكون مسؤولية المجتمع بالتنبيه على تلك الأخطاء والاتصال بالجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة، أما مسؤولية مؤسسات المجتمع المدني فتكون بتضافر جهودها في متابعة اللوحات الإعلانية والأسماء التجارية.

ونحن في جمعية حماية اللغة العربية شكلنا لجنة لتتبع تلك اللافتات والتنبيه على أخطائها و نلقى كل الدعم من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة حيث أبدى سموه استعداده للخروج معنا بجولة تفتيشية ورفع أية لافتة لا تلتزم بسلامة اللغة العربية، مما يؤكد حرص قادة الإمارات على الهوية العربية الإسلامية.

ويرى الكاتب والناقد الأدبي الدكتور صالح هويدي أن المشكلة لها خصوصية في دولة الإمارات بسبب وجود أعراق وجنسيات مختلفة تعمل في المجالات التجارية وتضع تلك اللافتات على واجهات محلاتها، ويقول: «أعتقد أن على البلديات أو الجهات المختصة تكليف فريق عمل من المتخصصين في مجالات الثقافة والفنون والأدب لتقييم تلك اللافتات لتكون لها قيمة جمالية في المدينة بدلا من الحالة الموجودة الآن خاصة في المناطق التجارية المكتظة.

حيث نجد خليطا من المتناقضات والمضحكات، فهناك لافتات تجمع بين اللغة العربية والأجنبية وهناك ترجمات سيئة للأسماء المكتوبة بلغات أخرى هذا فضلاً عن استخدام العامية أو الكلمات التي يستخدمها بعض الآسيويين عند التحدث باللغة العربية، فيكون المنظر خادشا للذوق ويفتقر للجمال، ونحن في بلد يدعو إلى التسامح والسلم والتضامن فحري أن يكون التقويم الجمالي من أولويات مدنه).

ومع كل الإجراءات الموجودة فإن حالة اللافتات والأسماء غير الصحيحة ما زالت قائمة نراها كل يوم في الأسواق وفي المناطق التجارية واضحة للعيان لا تحتاج إلى كثير من الجهد لنلتفت إليها لأن الهدف منها هو الظهور والإعلان.

ترخيص الأسماء التجارية .. مسؤولية من؟

وتثير حالة تلك الأسماء تساؤلات عديدة حول كيفية إصدار موافقات من الجهات الرسمية على تسمية المحال التجارية وما هي الإجراءات المتبعة للحصول على الاسم التجاري، ويجيب عن تلك التساؤلات علي إبراهيم، نائب المدير العام للشؤون التنفيذية بدائرة التنمية الاقتصادية في دبي قائلاً: (توجد مرحلتان لإصدار أي ترخيص تجاري في دبي، تتضمن المرحلة الأولى منح الموافقة المبدئية وحجز الاسم التجاري وذلك بعد التأكد من استيفاء صاحب/أصحاب الطلب لكافة الشروط والمتطلبات.

ثم تتبعها المرحة الثانية والتي تتضمن إصدار الترخيص والسجل التجاري بعد أن يقوم أصحاب الترخيص بتأجير وتحديد موقع مزاولة النشاط، واستيفاء شروط السلامة والوقاية والحصول على موافقة الجهات الحكومية الأخرى إذا ما تطلب ذلك النشاط المراد مزاولته، إضافة لاستيفاء المستندات الأخرى المطلوبة لإصدار الترخيص. كعقود التأسيس في حالة الشركات مثلاً، وتقوم الدائرة بعد إتمام الإجراءات بإرسال اذن دفع الرسوم ليتم دفع الرسوم المستحقة ومن ثم الحصول على الترخيص).

وحول مدى مراقبة الدائرة للأسماء التجارية من حيث اللغات والكتابات غير السليمة يقول إبراهيم: (تشترط الدائرة لتثبيت أية لوحة إعلانية لمنشأة قائمة الحصول على التصريح اللازم من قسم التصاريح التجارية، وتتضمن شروط ومعايير الإعلان متطلبات وشروطا عديدة أهمها موقع الإعلان وتصميمه واللغات المستخدمة فيه ومتطلبات السلامة والنواحي الجمالية للإعلان. مع مراعاة وجوب أن تكون الكتابة بلغة سليمة واضحة خالية من الأخطاء اللغوية والإملائية وتتفق مع قواعد الخط المتعارف عليه ومطابق للاسم التجاري الموضح بالرخصة التجارية.

حملات لتصويب الأخطاء

ويبقى التساؤل الأهم عن ضرورة وجود حملات تفتيشية لتصويب الأخطاء فيذكر علي إبراهيم أنه (توجد أحياناً تجاوزات، حيث تقوم بعض المنشآت بتنفيذ وتركيب اللوحات الإعلانية دون الحصول على التصاريح اللازمة من الدائرة، وتكون أغلب هذه اللوحات مخالفة للشروط المتعارف عليها، إضافة إلى أن هناك أخطاء قد تحصل بعد الحصول على موافقة الدائرة من منفذ اللوحات الإعلانية.

وتقوم الدائرة عند اكتشاف هذا النوع من التجاوزات بتوجيه الإنذارات لهم مع مخاطبة المعنيين بهذه المنشآت والطلب منهم مراجعة الدائرة وتقديم الطلبات للحصول على التصاريح. كما يتم ارتكاب بعض الأخطاء اللغوية أو الإملائية عند تنفيذ بعض اللوحات الإعلانية بعد الحصول على موافقة الدائرة على التصميم الخالي من الأخطاء، ويتم في هذه الحالة أيضاً مخاطبة المنشآت المعنية والطلب منهم تصحيح تلك الأخطاء.

وفي كل الحالات تحرص الدائرة على منح المنشآت الوقت الكافي لتعديل أوضاع لوحاتهم الإعلانية، ولدى الدائرة جدول شامل للمخالفات والغرامات يحتوي على تفاصيل الأنواع المختلفة من المخالفات والغرامة المفروضة على كل نوع حسب عدد مرات التكرار.

يتم في معظم الأحيان توجيه الإنذارات الكتابية للمنشآت المخالفة لأول مرة، ثم يتم فرض الغرامات المالية في حالة تكرار المخالفة وتزيد قيمة الغرامة مع الاستمرار في التكرار وهذا ينطبق بدوره على اللوحات الإعلانية المخالفة. وبصورة عامة فإن الأسماء التجارية يجب أن تتطابق مع نوع النشاط، الا انه يمكن ان تكون هناك أسماء مختصرة أو تتكون من كلمة واحدة خاصة في حالة الشركات مثل بناء، تعليم، مدارس وغيرها من الأسماء.

مسؤولية مشتركة

ملاحقة المخالفين ضرورة قانونية

يناقش بلال البدور وكيل وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع وعضو جمعية حماية اللغة العربية ظاهرة انتشار هذه التسميات قائلا: (المسؤولية في هذا الأمر مشتركة بين المجتمع والمؤسسات التي تقدم التراخيص التجارية إذ إن كثيراً من الطرق التي تسهم في رصد الأخطاء في الأسماء التجارية غائبة مثل التفتيش بعد إصدار الترخيص على تطبيقه السليم.

كذلك هناك أسماء يجب أن لا تعطى أي ترخيص منذ البداية، مثل الأسماء التي لا تتطابق والنشاط التجاري الذي تقدمه، ومن الملاحظ أن كثيراً من الخطاطين الذين يمارسون الخط العربي لا يعرفون العربية الصحيحة الأمر الذي يجعلهم يخطئون في كتابة الكلمات باللغة العربية الصحيحة، وهذا الأمر يأتي بسبب الخلل في التركيبة السكانية.

لذا أقول إن المسؤولية مشتركة فمثلما هناك ضبطية قانونية لمن يرمي النفايات في الشارع أو يخالف أنظمة المرور يجب أن تكون هناك ضبطية قانونية لمثل هذه الحالات، ولا بد أن يفعّل دور جمعية حماية اللغة العربية في جميع إمارات الدولة للمساهمة في رصد ظاهرة الأسماء غير السليمة، وينبغي أن تشارك كليات الدراسات الإنسانية في منح درجات لطلابها المساهمين في التنبيه على هذه الأخطاء وتشجع الأنشطة التي ترفع مستوى الوعي باللغة السليمة).

دلال جويد