قد يكون لبنان فقد دوره المزعوم في أن يكون «صلة وصل بين الشرق والغرب»، وبقي فقط نافذة مفتوحة، على الغرب يريدها العالم العربي في حال وجود أي نوع من الحوار ففي العولمة لم يعد لبنان نقطة كبيرة، وأميركا صارت قريبة من المنطقة فلا تحتاج إلى الكثيرين ليكونوا واسطة كي تتقرب من شعوب المنطقة.

ولم يعد لبنان بالنسبة للعالم الا ساحة للصراعات وتصفية الحسابات، وأيضا لحل المشاكل وتوطينها. وبسبب الحروب لم يعد أهله يحصلون العلم ويلمعون في الخارج، بل استفاد من هم في البلدان الأخرى من السلام والرقي الذي ينعمون به في نفس الوقت ليزدادوا علماً ومعرفة ضاهوا اللبنانيين بهما. لكن زوال لبنان أو اضمحلاله يشكلان خسارة للعالم أجمع.

فزوال لبنان هو خسارة للمنادين بالحقوق الإنسانية والديمقراطية في العالم العربي، بالرغم من أنه في لبنان، من وقت لآخر، تزهق الحقوق، ويتصرف البعض بطرق لا تشبه الديمقراطية من قبل أن تولد بقرون ولن يبقى في لبنان من يرفع راية الحرية والحقوق ويتكلم بمفاهيم العدالة، ويناضل من أجل هذه القيم وضد الذين ينتهكونها. وزوال لبنان خسارة للإبداعات الأدبية التي تستنبط المشاكل الاجتماعية والإصلاحات.

وترسم بالكلمات أجمل التعابير عن المشاعر الإنسانية. زوال لبنان خسارة تلقي بظلالها على النضال الحقيقي، وعلى الذين يحتاجون إلى من يشير إليهم بالخطاب السياسي والطريق النضالي للتحرر، بالرغم من أن اللبنانيين غرقوا في مقاتلة بعضهم، هي خسارة للذين لا يعرفون إلا أن يلتحقوا بالمجموع، ويقولون ما يقول، وللذين يريدون أن يعيشوا في مجتمع آخر غير الذي يمجدون فيه كل يوم للزعماء، ويشهدون أن البلد بألف خير، وأن لاهم لهم البتة إلا صغائر الأمور ومتابعة التفاصيل اليومية.

خسارة لبنان في صراعه التاريخي خسارة للعالم أجمع، خسارة بشكل خاص أيضا للعالم الغربي الذي لا يحب أن يتكلم إلا لغة واحدة، ولا يطلع على ثقافات الآخرين، ويعيش في كبرياء أعمى، فيظن أنه الأفضل والأنقى، وهو في الواقع لا يعرف عن الآخرين شيئا، يظن أن الآخرين ينتظرون ديمقراطية ويحلون به ليل نهار، وأنه ببضعة آلاف من الجنود سوف يفتتح البلاد كلها، والآن سيشكره ويتعلم منه.

لبنان يعلم العالم الغربي أن الإنسانية هي في الاطلاع على ثقافة الآخرين والانخراط في مجتمعهم، وأن الغني في تعلم لغات الشعوب التي يحبها، دون الاكتفاء بالأرض التي نعيش عليها والتاريخ الذي ننتمي إليه. زوال لبنان خسارة للذين يغامرون وينتقلون من لاشيء إلى أن يصبحوا من العظماء ويسكنون قصور المجد وأماكن القرار، ويروون قصصهم ويثبتون أنه إذا لم يعد هناك من لبنان فإن العالم لن يكون على ما كان عليه، ولن يكون أفضل وأجمل بدون هذا البلد.

بيتر قشوع ـ لبنان